كيف يؤثر التصعيد الأمريكي–الإيراني على الاستقرار الداخلي في الأردن؟
د. سعود الشرفات
13-06-2026 07:14 PM
يعكس التصعيد المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب الانخراط الإسرائيلي المتزايد ضمن هذا السياق الأوسع، تحولاً بنيوياً في النظام الأمني في الشرق الأوسط. فما يجري ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل منافسة استراتيجية متعددة المستويات، تشكل فيها المواجهة الأمريكية–الإيرانية المحور المركزي، بينما تتحرك الأطراف الإقليمية داخل نطاقه العملياتي المتسع. وقد أسهم هذا التشابك في إنتاج بيئة أمنية أكثر انقساماً وتشتتاً وأقل قابلية للتنبؤ، تتداخل فيها مسارات التصعيد وتتزايد فيها مخاطر سوء التقدير.
بالنسبة للأردن، تتجاوز أهمية هذا التحول مسألة الانعكاسات التقليدية للصراعات الإقليمية أو مخاطر الجوار الجغرافي. فالتحدي الأعمق يتمثل في تزايد تحول الصراعات الخارجية إلى جزء من النقاش الداخلي، بحيث لم تعد الحروب الخارجية أحداثاً بعيدة، بل أصبحت عناصر فاعلة في تشكيل الخطاب السياسي المحلي وإعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني نفسه.
تاريخياً، أظهر الأردن قدرة لافتة على امتصاص الاضطرابات الإقليمية دون السماح لها بتقويض الاستقرار الداخلي. فمن الحروب في العراق إلى الحرب العالمية على الإرهاب الى تداعيات الربيع العربي الى الأزمة السورية، الى ظهور تنظيم داعش ثم القضاء عليه؛ تمكنت الدولة من الحفاظ على توازن داخلي نسبي رغم تعرضها المستمر لصدمات إقليمية حادة. وقد شكلت هذه القدرة إحدى السمات المركزية في نهج الدولة الأردنية في إدارة الأمن.
غير أن البيئة الإقليمية الحالية تشير إلى أن هذا النموذج من الصد والعزل النسبي يواجه حدوداً جديدة.
فالاختلاف الجوهري اليوم لا يكمن فقط في شدة الصراعات الخارجية، بل في عمق تغلغلها داخل الوعي السياسي والاجتماعي الداخلي.
فقد ساهمت الحرب في غزة وتداعياتها المستمرة وتزايد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، واتساع رقعة الاستقطاب الإقليمي، في خلق بيئة لم تعد فيها الصراعات تُدرك باعتبارها أحداثاً جيوسياسية بعيدة، بل تُعاد قراءتها ضمن أطر أيديولوجية وهوياتية داخلية.
وفي تطور أكثر دلالة، لم يعد الأردن يتعامل فقط مع التداعيات غير المباشرة لهذه الصراعات، بل مع تجلياتها العسكرية المباشرة. ووفقاً لتصريحات رسمية صادرة عن القوات المسلحة الأردنية، تم اعتراض مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة المرتبطة بالقدرات الإيرانية أو بشبكاتها الإقليمية خلال موجات التصعيد المتتالية، والتي استهدفت المجال الجوي الأردني وأدت إلى تفعيل واسع لمنظومات الدفاع الجوي. كما أظهرت حوادث سقوط حطام في مناطق مختلفة من المملكة حجم التداخل بين مسارح العمليات الإقليمية والفضاء الأمني الأردني المباشر. وتشير تقارير مرتبطة بمحاولات استهداف مواقع استراتيجية، بما في ذلك قاعدة الشهيد موفق السلطي الجوية في الأزرق، إلى أن هذا التداخل لم يعد نظرياً بل أصبح جزءاً من الواقع الأمني الفعلي.
من منظور الدولة الأردنية، يبقى الاستقرار الهدف الاستراتيجي الأعلى. ويواصل الأردن اتباع سياسة خارجية متوازنة تهدف إلى تجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية، مع الحفاظ على السيادة والتماسك الداخلي. إلا أن الموقع الجغرافي للأردن عند تقاطع عدة بؤر توتر يجعل أي تصعيد واسع النطاق ذا انعكاسات مباشرة على الأمن الوطني، خصوصاً في ما يتعلق بالأمن الوطني وبسلامة المجال الجوي وأمن الحدود ومعادلات الردع.
لكن التحول الأكثر عمقاً لا يزال داخلياً بطبيعته. فالأردن يواجه بشكل متزايد معضلة أمنية تتمثل في دخول التماسك المجتمعي ذاته ضمن معادلة الأمن الوطني.
فشريحة من الرأي العام السياسي النشط، المتأثرة جزئياً بتداعيات الحرب في غزة وبسرديات سياسية عابرة للحدود، باتت تفسر التطورات الإقليمية من خلال إطار يقوم على ما يُسمّى محور المقاومة ومعارضة السياسات الأمريكية والإسرائيلية. وفي هذا السياق، وصلت بعض الأصوات إلى تبرير السلوك والتحركات العسكرية الإيرانية باعتبارها جزءاً من مواجهة خصوم مشتركين.
ورغم أن هذه المواقف تبقى محدودة من حيث التأثير المؤسسي المباشر، فإن أهميتها تكمن في دلالتها السياسية والرمزية، إذ تعكس تبايناً متزايداً في المرجعيات الناظمة لمفاهيم الأمن الوطني والسيادة والاصطفاف الاستراتيجي، وهو ما يضعف إمكانية الحفاظ على سردية وطنية موحدة حول القضايا الأمنية الأساسية.
في المقابل، ترى شرائح أخرى من المجتمع الأردني، وخاصة المرتبطة بالمؤسسات التقليدية للدولة وخطاب الاستقرار، أن هذا النوع من الخطاب يمثل تهديداً مباشراً للتماسك الداخلي ووحدة الموقف الوطني. وبالتالي، لا يعود الخلاف مجرد تباين في وجهات النظر حول السياسة الخارجية، بل يتحول إلى جدل أعمق حول تعريف المصلحة الوطنية ذاتها.
ويضيف هذا الواقع طبقة جديدة من التعقيد إلى البيئة الأمنية الأردنية. فالأمن الوطني لم يعد مفهوماً محصوراً في الأدوات العسكرية أو الدبلوماسية، بل أصبح يشمل إدارة التماسك الاجتماعي في بيئة تنتقل فيها تداعيات الصراعات الخارجية بسرعة عبر الفضاء الرقمي وشبكات الإعلام العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، يتحول التحدي الأمني الأردني من مسألة احتواء المخاطر الخارجية إلى مسألة تحقيق توازن داخلي دقيق. فالدولة مطالبة في الوقت ذاته بردع التهديدات الخارجية، وحماية سيادتها، وإدارة التباينات الداخلية الناتجة عن أحداث تقع خارج حدودها. ويتطلب ذلك ليس فقط أدوات أمنية تقليدية، بل أيضاً جهداً سياسياً مستمراً للحفاظ على توافق وطني واسع حول توجهات الدولة الاستراتيجية.
وعلى المستوى الاستراتيجي، يواصل الأردن الاعتماد على شراكته الأمنية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، والتي تشكل ركيزة أساسية في منظومة الدفاع والاستخبارات والمرونة الاقتصادية. وفي فترات التصعيد الإقليمي، لا تقتصر أهمية هذه الشراكة على التنسيق العملياتي، بل تمتد لتشكل عاملاً للاستقرار السياسي في بيئة إقليمية مضطربة.
غير أن قدرة الأردن على الصمود على المدى البعيد ستعتمد بشكل متزايد على مدى نجاحه في إدارة التباينات الفكرية والسياسية الداخلية، وليس فقط على تحالفاته الخارجية. فالتقاطع بين التصعيد العسكري الإقليمي والاستقطاب الداخلي يشير إلى أن الأزمات المستقبلية لن تبقى خارجية التأثير، بل ستظهر في آن واحد داخل مستويات الأمن الخارجي والتماسك الداخلي والخطاب السياسي.
وقد اتسم النهج الأردني تاريخياً بسياسة الانخراط المحسوب: الحزم في الدفاع عن السيادة، والحذر في الخطاب العلني، والتحرك الدبلوماسي الهادئ، والاعتماد على التحالفات الاستراتيجية. وقد مكّن هذا النهج المملكة من تجاوز أزمات إقليمية متكررة دون انهيار بنيوي في الاستقرار.
غير أن البيئة الحالية تطرح سؤالاً أكثر جوهرية: هل لا يزال هذا النموذج كافياً في إقليم باتت فيه الصراعات الخارجية تُعاد إنتاجها داخل المجال الداخلي للدول؟
في المحصلة، لم يعد التحدي الأساسي أمام الأردن يتمثل فقط في تجنب الانخراط في الحروب الإقليمية، بل في الحفاظ على التماسك الداخلي في زمن أصبحت فيه تلك الحروب جزءاً من البنية الداخلية للنقاش السياسي والاجتماعي. وتعتمد استدامة نموذج الاستقرار الأردني على قدرة الدولة على إنتاج سردية وطنية متماسكة في بيئة تتسم بتصاعد الاستقطاب وتزايد عدم اليقين الإقليمي.
* مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب