facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تتحدث الأروقة


د. هيفاء ابوغزالة
13-06-2026 07:22 PM

ليست الأروقة مجرد ممرات تفصل بين القاعات، وليست الأبواب المغلقة مجرد تفاصيل بروتوكولية في مشهد سياسي متكرر. ففي تلك المساحات الصامتة كثيراً ما تُولد الأفكار الكبرى، وتُختبر المواقف، وتتشكل ملامح القرارات التي قد تؤثر في حاضر أمة ومستقبل أجيال كاملة. هناك، بعيداً عن عدسات الكاميرات وضجيج التصريحات، تبدأ القصة الحقيقية.

وعلى امتداد سنوات طويلة من العمل في قلب المنظومة العربية، أدركت أن ما يصل إلى الرأي العام لا يمثل سوى الجزء الظاهر من المشهد. أما الجزء الأكثر عمقاً وتأثيراً فيبقى داخل القاعات التي يجتمع فيها القادة والوزراء والخبراء لمناقشة قضايا تتجاوز حدود الدول لتلامس مصير المنطقة بأكملها. وفي كل مرة كنت أستمع فيها إلى النقاشات وأتابع تفاصيل المداولات، كنت أزداد قناعة بأن التحدي العربي لم يكن يوماً في معرفة المشكلات، بل في القدرة على تحويل المعرفة إلى قرار، والقرار إلى فعل، والفعل إلى تغيير حقيقي.

عندما تُطرح التنمية على طاولة القرار العربي، لا يكون الحديث عن أرقام ومؤشرات وتقارير دولية فقط، بل عن الإنسان العربي نفسه. عن الطفل الذي يستحق تعليماً أفضل، والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل تحفظ كرامته، والمرأة التي تسعى إلى المشاركة الكاملة في بناء مجتمعها، والأسرة التي تحلم بحياة آمنة ومستقرة. فالتنمية ليست مشروعاً اقتصادياً، بل مشروع حضاري متكامل، لأنها تبدأ بالإنسان وتنتهي إليه.

وعندما يُناقش الاقتصاد، لا يكون السؤال عن حجم الثروات بقدر ما يكون عن القدرة على توظيفها. فالمنطقة العربية تمتلك من الموارد والإمكانات ما يجعلها في مصاف القوى المؤثرة عالمياً، لكن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة امتلاك التنمية. وفي كثير من الأحيان كانت الاجتماعات تشهد نقاشات صريحة حول الفجوة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة، وحول الحاجة إلى الانتقال من مرحلة إدارة الموارد إلى مرحلة صناعة القيمة، ومن الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج، ومن استهلاك المعرفة إلى إنتاجها.

أما الثقافة، فكانت دائماً القضية التي تبدو هادئة في ظاهرها لكنها عميقة في جوهرها. فالأمم لا تفقد مكانتها حين تخسر ثرواتها فقط، بل حين تفقد ذاكرتها، ويضعف وعيها، وتتراجع ثقتها بنفسها. ولهذا لم تكن حماية اللغة العربية، وصون التراث، وتعزيز الإبداع، وبناء الوعي الثقافي، قضايا هامشية كما يظن البعض، بل كانت جزءاً أصيلاً من معركة الحفاظ على الهوية العربية في عالم تتسارع فيه التحولات وتتغير فيه المرجعيات بوتيرة غير مسبوقة.

وعندما تنتقل النقاشات إلى السياسة، تتكشف تعقيدات المشهد العربي بكل تفاصيله. أزمات متلاحقة، وصراعات ممتدة، وتحولات إقليمية ودولية متسارعة، وموازين قوى تتغير باستمرار. وفي خضم هذا المشهد المتشابك، ظلت القضية الفلسطينية حاضرة بوصفها القضية المركزية للأمة، ليس فقط لأنها قضية أرض وحقوق مشروعة، بل لأنها تمثل اختباراً دائماً لقدرة العرب على حماية مصالحهم والدفاع عن ثوابتهم المشتركة.

لكن ما كان يلفت انتباهي دائماً هو أن القضايا العربية، مهما اختلفت عناوينها، كانت تلتقي عند نقطة واحدة. فالتنمية ترتبط بالاستقرار، والاستقرار يرتبط بالاقتصاد، والاقتصاد يرتبط بالتعليم، والتعليم يرتبط بالثقافة، والثقافة ترتبط بالهوية، والهوية ترتبط بالأمن الوطني والقومي. إنها حلقات متصلة في سلسلة واحدة، وأي خلل في إحداها ينعكس على الأخرى بصورة مباشرة.

وربما لهذا السبب لم تعد التحديات التي تواجه العالم العربي قابلة للحل بالأساليب التقليدية أو المعالجات الجزئية. فالعالم يتحرك بسرعة غير مسبوقة، والتكنولوجيا تعيد رسم خرائط الاقتصاد والسياسة والثقافة، والذكاء الاصطناعي يغير طبيعة الوظائف والمعرفة، والمنافسة الدولية أصبحت أكثر شراسة من أي وقت مضى. وفي ظل هذه التحولات لم يعد السؤال كيف نواجه الأزمات، بل كيف نصنع المستقبل.

ومن داخل الأروقة العربية، حيث تتقاطع الرؤى وتختلف الاجتهادات وتتشكل التوافقات، كنت أرى دائماً وجهاً آخر للمشهد العربي؛ وجهاً لا يظهر كثيراً في وسائل الإعلام. رأيت مسؤولين يحملون هماً حقيقياً تجاه قضايا شعوبهم، وخبراء يسابقون الوقت لصياغة حلول عملية، ومبادرات واعدة كان يمكن لها أن تُحدث فرقاً كبيراً لو توفرت لها الظروف المناسبة. ولذلك فإن اختزال العمل العربي المشترك في صورة نمطية متشائمة لا يعكس الحقيقة كاملة، تماماً كما أن المبالغة في التفاؤل لا تعكسها أيضاً.

الحقيقة أن الأمة العربية تقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة. فإما أن تتحول تحدياتها إلى حافز للتجديد والنهوض، وإما أن تتحول إلى أعباء تؤجل المستقبل وتستنزف الحاضر. وما بين الخيارين تبقى الإرادة السياسية، والكفاءة المؤسسية، والاستثمار في الإنسان، هي العوامل الحاسمة في تحديد الاتجاه.

وحين تتحدث الأروقة، فإنها لا تتحدث عن اجتماعات عابرة أو قرارات مؤقتة، بل عن مستقبل أمة ما تزال تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتكون لاعباً مؤثراً في عالم سريع التحول. فمن داخل تلك القاعات يتضح أن المشكلة لم تكن يوماً في نقص الموارد أو العقول، بل في القدرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات، والطموحات إلى واقع.

وعندما تنتهي الاجتماعات وتُغلق الملفات، يبقى السؤال الذي يلاحق الجميع: هل سنبقى منشغلين بإدارة الأزمات، أم سنمتلك الشجاعة لصناعة المستقبل؟ فالتاريخ لا يكتب أسماء الذين اكتفوا بمراقبة التحولات، بل يخلد أولئك الذين صنعوها. وبين هذين الخيارين تقف الأمة العربية اليوم، حاملةً فرصة قد لا تتكرر كثيراً.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :