facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




​حين تنفّس الكون فجراً


أمل محي الدين الكردي
15-06-2026 07:08 PM

​لم تكن الهجرة النبوية الشريفة مجرد طيٍّ لمسافاتٍ من الرمل بين مكة والمدينة، بل كانت فراراً بنبض الدعوة؛ وكانت خفقَة القدر التي غيّرت مسار البشرية، واللحظة المقدسة التي أذن الله فيها لليل المستضعفين أن ينجلي، ليبزغ فجر أمةٍ صُنعت على عين الله، وحضارةٍ ملأت الأرض عدلاً ونوراً. إنها رحلة الأشواق والدموع، واليقين الذي صهر القلوب فجعل من الهجرة فصلاً عبقرياً يمتزج فيه جلال التوكل بجمال التدبير الإنساني، حيث يتجلى لنا درسٌ بليغٌ يلامس شغاف القلوب في كيفية معانقة الإيمان الصادق لأدق تفاصيل الأخذ بالأسباب. فلم ينتظر الحبيب المصطفى ﷺ معجزةً سماويةً تحمله في لمح البصر، بل رسم خطةً استراتيجيةً معقدةً تفيض بالحكمة والذكاء؛ من مبيت علي بن أبي طالب في الفراش تمويهاً وفداءً، إلى دقة رصد الأخبار وتأمين القوت بجهودٍ مباركة قادتها أسماء وعبد الله ابنا الصديق، وصولاً إلى استئجار العقل الخبير بالطريق وإن لم يكن على دينهم، لتكون الصورة الأسمى لقلبٍ معلقٍ بالعرش وقدمٍ تسعى على الأرض. فحين حاصر الخوفُ الماديُّ شفاه الصديق في عتمة الغار وهو يقول: "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا"، جاءه الصوت النبوي الممتلئ بالسكينة الإلهية ليحسم معركة الوجود بيقين مطلق: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟" لتذوب جغرافيا المطاردة وينتصر يقين السماء على غطرسة الأرض.

​ومن هذا اليقين العظيم تخلقت جغرافيا جديدة للتحول الحضاري، فبينما كانت مكة تمثل حنين المولد والنشأة وموطن التضحية والصبر، كانت يثرب تنتظر على أحرّ من الجمر ميلاد دولة الإسلام والإنسانية، حيث تحول المسلمون بالهجرة من جماعةٍ تحاول البقاء وسط أمواج الاضطهاد، إلى مجتمعٍ حيّ يملك أرضاً وهويةً وقراراً، لينتقل النبي ﷺ بالدعوة من فضاء التوجيه الروحي المحض إلى فضاء التأسيس الشامل لدولةٍ تحمي العقيدة، وترعى الإنسان، وتصون الكرامة. وحين وطئت خطى النبي الكريم أرض المدينة المنورة، واستقبلته الأنصار بقلوبٍ تفيض حباً وشوقاً، شرع فوراً في صياغة الوجدان الإنساني وتأصيل الروابط الاجتماعية عبر خطواتٍ متكاملة تفيض رحمةً وعبقرية، بدأها بإقامة المسجد الشريف ليكون قلب الأمة النابض، وملاذاً تلتقي فيه القلوب، وجامعةً تتخرج منها العقول، ومجلساً تُدار فيه شؤون الأمة الشابة بجهودٍ يملؤها الحب والإخاء.

​ولم يقف الأمر عند بناء الجامع للأمة، بل تعداه إلى بناء الإنسان من خلال معجزة المؤاخاة التي صهرت العصبيات القبلية في بوتقة الأخوة الإيمانية، مدمجةً المهاجر الّذي ترك خلفه ماله ووطنه بأخيه الأنصاري الّذي شاطره اللقمة والدار عن طيب نفس، ليذوب المفهوم الضيق للقبيلة وتولد الرابطة الكبرى للأمة. وتكاملت هذه الهندسة الاجتماعية والسياسية بصياغة "وثيقة دولة المدينة" كأول دستور مدني مكتوب في التاريخ يضمن حرية الاعتقاد ويحقق قيم المواطنة والعدل بين كافة مكونات المجتمع من مسلمين ويهود وقبائل، مؤكدةً أن السلام هو الأصل، وأن الدفاع عن الوطن مسؤولية يتشاطرها الجميع في إطار من الحقوق والواجبات المتساوية.

​إن هذا البناء المتكامل والشخصية المستقلة للأمة هو ما دفع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه والصحابة الكرام إلى اختيار حدث الهجرة دون غيره ليكون مبتدأ التاريخ الإسلامي، في اعترافٍ سياسي وفقهي عميق بأن الهجرة هي المولد الفعلي لعزة الأمة وظهورها ككيان صانع للحضارة يمتلك زمنه الخاص وقيمه المستقلة، ولا يرتبط بميلاد أو وفاة بل بالفعل الإنساني التأسيسي. وبذلك بقيت الهجرة النبوية الشريفة نهراً متجدداً لا ينضب جريانه، بل منهجية حياة وديناميكية تجديد مستمرة تخبرنا في كل حين أن النهوض لا يأتي بالتمني، بل بالهجرة الدائمة من العجز إلى العمل، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن ظلمات اليأس إلى أنوار اليقين التي أضاءت عهداً جديداً وغدت عيداً للإنسانية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :