facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الكوميديا السوداء


د.سالم الدهام
15-06-2026 07:12 PM

حين ترى الحقيقة الموجعة واضحة ساطعة، وعارية من كل الأصباغ ومواد التجميل فربما تشعر بالألم لبعض الوقت، لكن هذا الألم لا يلبث كثيرا حتى يتحول إلى وعي بطبيعة المعاناة، ومن ثم تبدأ رحلة البحث عن حلول؛ فالتعايش مع الأورام الخبيثة وتخدير أوجاعها وتسكين آلامها لا يشفيها؛ فلابد من تفجير تلك الأورام، لتنفتح الجروح، وتسيل القروح، ليصح الجسم وتبرأ الروح، ولابد أيضا من احتمال الألم المؤقت، فخلع الضرس المنخور مؤلم لبعض الوقت، لكن بقاءه مؤلم طوال الوقت.

ولكي تتكشف الحقائق فإن أول ما يجب فعله نزع الأقنعة وإزالة الأصباغ ومساحيق التجميل لتسفر عن مكنوناتها المحتجبة، وأسرارها المؤجلة، لتتسمى الأشياء بمسمياتها الحقيقية؛ إذ أول العلاج تشخيص الأدواء ليتسنى وصف الدواء... لقد كثرت الصيغ التي تعالج التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في بلدنا العزيز، وتعددت معها المقاربات، وتفرعت عنها تشريعات وصيغت خطط، ولحقت بها مبادرات، وشكلت لجان، وانبثقت عن ذلك مؤسسات وهيئات، ما زادت على أن أرهقت كواهلنا فقرا، ورشت على جراحنا بعض السكر.

أما رواد السياسة والتنمية والإصلاح فقد خاضوا بنا مسارات عديدة، زعموا أنهم من خلالها يتقدمون بنا من رجعية سيطرة الدولة على إدارة المرافق العامة والقطاعات المنتجة إلى فضاء اقتصاد السوق، وإطلاق يد القطاع الخاص في إدارة عجلة التنمية عوضا عن الإدارة العامة، وبين يدي هذا المسار الطويل تعاقب علينا منظرون كثر قالوا إنهم سينقلوننا من مرحلة الدولة الريعية إلى مرحلة دولة الإنتاج، ثم مرحلة الخروج من عنق الزجاجة وبناء المداميك، ثم شد الأحزمة والبشرى بالقادم الأجمل، وصولا إلى من يسمون أنفسهم بالليبراليين، ثم الليبراليين الجدد، الذين يزعمون أن حلول الأزمات التي نرزح تحت نيرها إنما تعود إلى طبيعة المجتمع المحافظ ذي النزعة الأخلاقية التقليدية المتوارثة... لكن النتيجة كانت مزيدا من التضخم والعجز، وتعاظم مستويات الفقر والبطالة ، وارتفاع المديونية إلى أرقام لم تعد آمنة،.... لم يكتفوا بذلك بل التفوا نحو الأصول الوطنية والقوا بها في بطون الحيتان العابرة للمحيطات بثمن بخس. داروا في كل الاتجاهات فأفقدونا توازننا حتى أننا لم نعد قادرين على تحديد الاتجاهات فضاعت البوصلة...ومارس الإعلام تسويق ذلك كله وترويجه ... وجرى العبث ببعض الهياكل الإدارية الرمزية كديوان الخدمة المدنية بهدف ترشيق الإدارة، وبيعت كثير من الأصول التي ما كان يجب أن تمس، بيعت بهدف توفير المال اللازم لتطوير القطاعات الأساسية كالتعليم والصحة وغيرهما ، وفي الوقت نفسه تحرير الموارد الاقتصادية من ربقة القطاع العام، وإفساح المجال أمام القطاع الخاص لممارسة قدراته في إدارة الموارد الاقتصادية المنتجة والقطاعات الخدمية وجلب الاستثمارات، وخلق وظائف وفرص عمل، للحد من مشكلتي الفقر والبطالة، وتقليل حجم المديونية أو على الأقل تثبيته عند حدود آمنة لا تهدد المستقبل.

لكن كل ذلك للأسف الشديد لم يحدث طوال العقود الماضية، وحدث العكس تماما، زاد حجم المديونية ومعها الفقر والبطالة والبؤس، بينما نمت طبقة طفيلية استأثرت بالدولة وخيراتها... لم يحاسب أحد، ولم يحاكم أحد، ولم يسأل أحد، وما زال النهج هو النهج، تجارب تتلوها تجارب والجوقة تعزف على سيمفونية القادم أجمل وهي تعلم خلاف ذلك ترحيلا للأزمات؛ إذ كيف يكون القادم أجمل والبطالة تقفز إلى حاجز 25%.

وأتساءل ها هنا:هل يمكن ان تتحالف الدولة والنخب السياسية النافذة ومعها الأجهزة المعنية مع قوى اجتماعية ضد قوى أخرى على حساب العدالة ودولة المؤسسات والقانون، ولا أتحدث هنا عن تحالفات سياسية ضد معارضة سياسية غير رشيدة، بل أتحدث عن تحالفات ضد قوى اجتماعية وشعبية ومدنية تنشد العدالة والمساواة، وتؤمن بالدولة ومشروعية النظام عاصما من الفوضى وحاميا للدستور وحارسا للقانون، وضامنا لرابط المواطنة الذي يحدد العلاقة بين الأفراد والدولة، ومجسدا لمبدا عدالة الدولة بين جميع أبنائها دون تمييز أو محاباة.

في مثل هذه الظروف التي نعيشها الآن تُستهدف الفئة العظمى من المجتمع بقسوة، وتحرم من أبسط حقوقها في العيش الكريم؛ لأن ثمة فئة قليلة استولت على مقدرات الدولة، هذه الفئة تعيش مستوى من الرفاه يشبة مستوى الرفاه في الدول المنتجة للنفط، يتقاضى أبناؤها رواتب بالآلاف لا بأقل البضع من المئات كما يتقاضى نظراؤهم ممن لم ينعم الله عليهم بعمومة من الدولة والمعالي أوخؤولة ممن يسكنون الدهاليز المفضية إلى السعادة ، هذه الفئة ممن أنعم الله عليهم لا يجرؤ أحد على إمدادها بقيم الزهد والتقشف والقبول بما يقبل به نظراؤهم من المغضوب عليهم، أو تلاوة آيات النصح بالقناعة كما تتلى على الضالين الذين انتصفت أعمارهم ولما يجدوا عملا بعد.

إن ما يحدث الآن هو كوميديا سوداء تكتب أمام أعيننا وبين ظهرانينا، ونحن أبطالها وضحاياها في آن معا...كوميديا يموت أبطالها ويغرقون في جحيم دانتي بينما هم يظنون أنهم يقدمون تضحيات جليلة لأمتهم وشعبهم، وفي حقيقة الأمر هم ضحايا خدعة كبيرة، وهم ليسوا أكثر من ممثلين هزليبن ليس لوجودهم معنى سوى أنهم موردون للضرائب لضمان استمرار عجلة الرواتب الفلكية لأبناء الذوات وأحفادهم وأصهارهم حيث تتوالد من أجلهم الهيئات المستقلة، وعقود شراء الخدمات، والمشاريع غير المنتجة...تلك العجلة التي تدوس أحلام الفقراء ولا تسمع أنينهم أو صوت خشخشة عظامهم.

في مثل هذه الظروف لم يعد لنا أحلام مشروعة بالنهضة وتجاوز عتبة اليأس، بل صار الحلم تقاسم نتائج تلك السياسات ليهبط المتعالون إلى حيث يطؤون الأرض مثل عباد الله، وإلا فإن القسمة الضيزى التي يخيل لنا أنها تتم بالتراضي لن تصمد إلى الأبد، فقد تعبت الظهور من طول الانحناء...





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :