نظام الطيبات الإداري: حمية إدارية للوقاية من الفشل
أ. د. عادل الهاشم
20-06-2026 09:33 AM
أثار الجدل الذي رافق بعض الأنظمة الغذائية الحديثة اهتمام الكثيرين، ليس بسبب نوعية الأغذية التي تشجع عليها فحسب، بل لأنها أعادت طرح سؤال مهم يتعلق بقدرة الإنسان على التمييز بين ما يفيده وما يضره على المدى الطويل، فصحة الانسان لا تتحدد بكمية الطعام وحدها، وإنما بنوعية ما يستهلكه الإنسان بصورة مستمرة.
ومن هذا المدخل المجازي يمكن النظر إلى ابيئات العمل بالطريقة ذاتها، فهي لا تتغذى على الطعام وإنما على القرارات والإجراءات والممارسات التي تشكل بيئة عملها اليومية. وكما أن الغذاء غير الصحي قد يضعف الجسد تدريجياً دون أن تظهر آثاره فوراً، فإن بعض الممارسات الإدارية قد تستنزف المؤسسة بصمت حتى تنعكس آثارها على الأداء والإنتاجية والثقة المؤسسية. وهنا يمكن اقتراح "نظام الطيبات الإداري"، وهو تصور يقوم على أن المؤسسات تحتاج إلى تعزيز الممارسات التي تدعم كفاءتها واستقرارها والحد من الممارسات التي تضعف قدرتها على تحقيق أهدافها.
ولا تهدف فكرة نظام الطيبات الإداري إلى تقييم الأشخاص أو تصنيفهم، بل إلى تقييم الممارسات والنتائج فالأشخاص يتغيرون، أما المؤسسات القوية فتبنى على قواعد واضحة وممارسات مستقرة وآليات فعالة للمراجعة والتطوير. ولهذا يبقى التركيز على جودة الممارسة أكثر من التركيز على الأفراد مهما كانت مواقعهم أو مسؤولياتهم.
ولم تعد جودة القرار الإداري تقاس بسلامة إجراءاته فحسب، بل بقدرته على تحقيق النتائج المستهدفة وتعزيز كفاءة العمل بعيداً عن الاكتفاء بالمظاهر الإعلامية أو التركيز على الحضور أمام العدسات والكاميرات على حساب معالجة التحديات الحقيقية وتحسين الأداء الفعلي.
ووفقاً لمبادئ الفقه الإداري، فإن بعض الممارسات مثل المحاباة وتضارب المصالح وضعف المساءلة وإساءة استخدام السلطة ونشر الصراعات الداخلية تُعد من العوامل التي تفسد بيئة العمل وتضعف الأداء المؤسسي. ومن هنا تبرز أهمية نظام الطيبات الإداري بوصفه إطاراً وقائياً وعلاجياً يهدف إلى الحد من هذه الممارسات وتعزيز قيم النزاهة والشفافية والمساءلة، بما يسهم في تحصين القرار الإداري ورفع كفاءة المؤسسات والحد من تكرار الإخفاقات الإدارية.
ويقوم هذا النظام على مجموعة من الطيبات الإدارية التي أثبتت قدرتها على دعم العمل المؤسسي وتحسين نتائجه، وفي مقدمتها إسناد المسؤوليات والمهام إلى الكفاءات واجتثاث حالات الفشل، إلى جانب وضوح الصلاحيات وتوثيق القرارات والشفافية في الإجراءات وربط المسؤولية بالمحاسبة والاعتماد على البيانات والمؤشرات الموضوعية في صنع القرار.
ولا ينتقص هذا الطرح من الجهود والإنجازات التي حققتها العديد من المؤسسات في القطاعين العام والخاص في مجالات الحوكمة وإدارة الأداء والتحول الرقمي، بل ينطلق من الرغبة في تعزيز الممارسات الناجحة وتبادل الخبرات وتطوير العمل المؤسسي بصورة مستمرة.
فالحمية الإدارية هي منهج يقوم على تعزيز الممارسات الإدارية السليمة ، ومن هذا المفهوم يستند نظام الطيبات الإداري إلى ترسيخ الممارسات التي تدعم الكفاءة والعدالة والشفافية والحد من الممارسات التي تعيق التطور أو تؤثر سلباً في بيئة العمل. فنجاح المؤسسات لا يقاس بكثرة الأنظمة والتعليمات، بل بقدرتها على تحويلها إلى ممارسات فعالة تحقق النتائج وترسخ الثقة، وهو ما يجعل نظام الطيبات الإداري أداة لتحصين القرار وتعزيز الحوكمة والحد من تكرار الإخفاقات في بعض بيئات العمل وترسيخ الاستقرار المؤسسي وتعزيز قدرة المؤسسات على تحقيق أهدافها.