مملكتنا لا تدار بمنطق الغلبة بل بالاحتواء لا الثأر السياسي
د. حسين سالم السرحان
20-06-2026 09:35 AM
ليست قيمة الدول في قدرتها على الانتصار على أبنائها، وإنما في قدرتها على الانتصار بهم. وهذه واحدة من الحقائق التي جسدتها مملكتنا منذ تأسيس الدولة، حين جعل من الاحتواء نهجاً، ومن التسامح السياسي وسيلة لتعزيز الاستقرار، ومن الإيمان بالإنسان أساساً في بناء الوطن.
فلم يكن الاختلاف في الرأي، أو تباين المواقف السياسية، سبباً دائماً للإقصاء أو القطيعة، بل شهد الأردن، عبر عقود طويلة، انتقال شخصيات عديدة من مواقع المعارضة إلى مواقع المسؤولية العامة، ومن نقد الدولة إلى الإسهام في بناء مؤسساتها، دون أن تُغلق الأبواب في وجوههم، أو يُحال بينهم وبين خدمة وطنهم.
إن الدول الواثقة بنفسها لا تقيس قوتها بعدد المؤيدين، ولا تزداد هيبةً بإقصاء المخالفين، وإنما تترجم قوتها في قدرتها على تحويل الاختلاف إلى شراكة، والخصومة إلى وفاق، والطاقة المعطلة إلى قوة منتجة تسهم في البناء.
وهذا ما ميّز الدولة الأردنية، التي أدركت مبكراً أن الأوطان لا تُدار بمنطق الغلبة، وإنما بمنطق المشاركة، وأن استقرارها يزداد كلما اتسعت مظلة الوطن لجميع أبنائه.
ولذلك آمنت القيادة الهاشمية بأن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بموقف سياسي عابر، وإنما بصدق الولاء عندما تدعو الحاجة إلى تحمل المسؤولية. ففُتحت الأبواب أمام الكفاءات، وأُتيحت الفرص لكل من اختار أن يجعل مصلحة الوطن فوق أي اعتبار آخر، لأن الدولة كانت ترى في الإنسان رصيداً وطنياً ينبغي استثماره، لا خصماً ينبغي استبعاده.
وكان المغفور له، بإذن الله، الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، نموذجاً رفيعاً لهذه المدرسة السياسية والإنسانية. فقد آمن بأن الأوطان لا تُبنى بالثأر السياسي، وإنما بالتسامح، وأن المستقبل لا تصنعه استعادة الخلافات، بل القدرة على تجاوزها. لذلك شهد الأردن في عهده محطات عديدة للمصالحة والانفتاح، فعاد كثيرون إلى المشاركة في خدمة الدولة، وأسهم عدد منهم في تحمل المسؤولية العامة بكفاءة وإخلاص، ليؤكدوا أن الانتماء للوطن يبقى أسمى من اختلاف المواقف.
ولم يكن ذلك تنازلاً من الدولة، ولا مظهراً من مظاهر الضعف، بل كان تعبيراً عن ثقتها بنفسها، وإيمانها بأن استقرار الأوطان لا يتحقق بتوسيع دوائر الخصومة، وإنما بتعزيز مساحات اللقاء. فالدولة التي تثق بشرعيتها لا تخشى الرأي المخالف، ولا تغلق أبوابها أمام من يراجع مواقفه، بل تمنحه فرصة جديدة ليكون شريكاً في البناء، ما دام ملتزماً بثوابت الوطن ومصالحه العليا.
ومن المؤسف أن تظهر بين الحين والآخر أصوات لا تكتفي بتقييم المسؤول على أدائه، وإنما تمتد إلى أسرته وأبنائه، وكأن المسؤولية تورث الإدانة، أو كأن الأبناء يُحاسبون على خيارات آبائهم. وهذا يتنافى مع أبسط معايير العدالة، كما لا ينسجم مع القيم الأصيلة التي عرف بها المجتمع الأردني، حيث يُحاسَب الإنسان على عمله، ويُقاس بما يقدم، لا بما يحمله من اسم أو نسب.
فالأوطان لا يحفظها أن يبقى الجميع على رأي واحد، وإنما يحفظها أن يبقى الجميع في خندق وطن واحد. وهذه هي الفلسفة التي منحت الأردن قدرته على تجاوز كثير من المنعطفات الصعبة، وحافظت على تماسكه في محيط إقليمي مضطرب، ورسخت صورته دولةً قادرة على الجمع بين الثبات والانفتاح، وبين قوة الدولة وسعة صدرها.
لقد بقي الأردن، بقيادته الهاشمية، وطناً للتسامح، وموئلاً للاعتدال، وأرضاً يتسع لجميع أبنائه، ما داموا أوفياء لوطنهم، مخلصين لدستورهم، مؤمنين برسالته.
وسيظل الأردن أكبر من الخلافات، وأرحب من الخصومات، لأن سر قوته لم يكن يوماً في إقصاء أبنائه، بل في احتوائهم، ولم يكن مجده في الثأر السياسي، بل في التسامح، وتلك إحدى أهم ركائز الدولة الأردنية الهاشمية، وأحد أسرار استقرارها وقدرتها على مواصلة مسيرتها بثقة واقتدار منذ أكثر من قرن.
حمى الله الأردن وطن التسامح والتعايش والخير والحرية