facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




رؤية التحديث الاقتصادي: من قياس الإنجاز إلى قياس الجاهزية


د.م. أمجد عودة الشباطات
20-06-2026 09:41 AM

منذ إطلاق رؤية التحديث الاقتصادي، احتل موضوع التنفيذ المساحة الأكبر من النقاشات الوطنية، وهو أمر طبيعي؛ فنجاح أي رؤية لا يقاس بجودة الصياغة أو طموح الأهداف فقط، بل بقدرتها على التحول إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن والمؤسسات والاقتصاد على حد سواء.

وخلال السنوات الماضية تناولت في أكثر من مقال قضية تنفيذ الرؤى الوطنية، وفي مقدمتها رؤية التحديث الاقتصادي، وركزت على أهمية إدارة التغيير، وإدارة المشاريع، والحوكمة، وبناء القدرات المؤسسية باعتبارها عناصر حاسمة في نجاح أي عملية تحول. كما ناقشت الحاجة إلى دمج إدارة التغيير ضمن الإطار التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي، وأهمية المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات المستقبل. واليوم أعتقد أن هذه القضايا، على اختلافها، تقودنا إلى سؤال أكثر عمقًا: هل نمتلك أدوات كافية لقياس جاهزية المؤسسات والقطاعات لتنفيذ ما نطمح إليه؟

ومع مرور الوقت، بدا لي أن هذه العناصر المتعددة يمكن النظر إليها ضمن إطار أشمل يجمعها جميعًا، وهو مفهوم “القدرة التنفيذية الوطنية”. فالتحدي لا يكمن فقط في امتلاك رؤية واضحة أو أهداف طموحة، بل في امتلاك القدرة المؤسسية والتنظيمية والبشرية اللازمة لتحويل تلك الرؤية إلى نتائج قابلة للتحقق والاستدامة.

فعندما نتحدث عن تحقيق مستهدفات اقتصادية أو اجتماعية أو إدارية، فإن السؤال المعتاد يكون: ما نسبة الإنجاز؟ وما الذي تحقق من الأهداف؟ وما حجم التقدم مقارنة بالخطة الموضوعة؟

وهي أسئلة مهمة بلا شك، لكنها تأتي بعد وقوع الحدث.

أما السؤال الذي يسبقها فهو: هل كانت الجهات والمؤسسات المعنية جاهزة أصلًا لتحقيق تلك المستهدفات؟

فالإنجاز لا يولد من فراغ، بل هو نتيجة منظومة متكاملة من القيادة والحوكمة والموارد البشرية والثقافة المؤسسية والقدرات الفنية وإدارة المشاريع وإدارة التغيير والتكامل بين الجهات المختلفة. وكلما ارتفع مستوى هذه العناصر، ارتفعت احتمالات تحقيق النتائج المستهدفة واستدامتها.

ومن هنا يبرز الفرق بين قياس الإنجاز وقياس الجاهزية.

فقياس الإنجاز يخبرنا بما تحقق بالفعل، أما قياس الجاهزية فيحاول استشراف قدرة الجهة على تحقيق ما لم يتحقق بعد.

وقد تحقق جهتان نتائج متقاربة في مرحلة معينة، لكن إحداهما تمتلك أنظمة حوكمة متقدمة، وقيادات مؤهلة، وثقافة داعمة للتطوير، وآليات واضحة لإدارة المشاريع والتغيير، بينما تعتمد الأخرى على جهود فردية أو ظروف استثنائية. وفي هذه الحالة قد تبدو النتائج الحالية متشابهة، لكن فرص النجاح المستقبلي تختلف بصورة جوهرية.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن نجاح الرؤى والاستراتيجيات الكبرى لا يعتمد فقط على وضوح الأهداف، بل على مستوى القدرة التنفيذية للجهات والمؤسسات المسؤولة عن تنفيذها. ولهذا السبب اتجهت العديد من الدول والمؤسسات المتقدمة إلى تطوير نماذج تقيس عوامل النجاح المستقبلية، وليس النتائج المتحققة فقط.

وفي الأردن، ورغم التطور الملحوظ في مجالات التخطيط الاستراتيجي وقياس الأداء ومتابعة الإنجاز، إلا أن السؤال ما زال مطروحًا:

هل نمتلك أدوات كافية لقياس القدرة التنفيذية الوطنية على مستوى الدولة والقطاعات والمؤسسات؟

وهل نستطيع أن نحدد مسبقًا نقاط القوة ومواطن الضعف في القيادة والحوكمة والموارد البشرية والثقافة المؤسسية وإدارة المشاريع وإدارة التغيير قبل أن تظهر آثارها على النتائج؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة قد تمثل خطوة مهمة في تطوير منظومة العمل المؤسسي خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل تسارع التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية وتزايد الحاجة إلى مؤسسات أكثر مرونة وقدرة على التكيف والتنفيذ.

ما لا يُقاس لا يُدار، وما لا يُدار يصعب تطويره. وإذا كانت الرؤى الوطنية تُقاس بمؤشرات الإنجاز، فربما حان الوقت لقياس الجاهزية التي تسبق الإنجاز.

ولعل المرحلة القادمة لا تحتاج فقط إلى تطوير أدوات متابعة الأداء، بل إلى تطوير أدوات وطنية غير تقليدية تساعد على قياس القدرة التنفيذية الوطنية على مختلف المستويات؛ من مستوى الدولة والقطاع، إلى الوزارة والمؤسسة والبرنامج والمشروع ورأس المال البشري.

فإذا كنا نقيس الإنجاز بعد تحققه، فلماذا لا نقيس القدرة على تحقيقه قبل بدء التنفيذ؟

ذلك سؤال أعتقد أنه يستحق البحث والنقاش، ليس فقط لتحسين فرص نجاح رؤية التحديث الاقتصادي، بل لبناء نموذج وطني أكثر قدرة على تحويل الطموحات إلى نتائج مستدامة.

ولعل الخبرات الأردنية المتراكمة في مجالات الإدارة والحوكمة وإدارة المشاريع وإدارة التغيير والتخطيط الاستراتيجي قادرة على الإسهام في تطوير نماذج وأدوات قياس وطنية مبتكرة، تساعد على الانتقال من متابعة النتائج إلى استشراف القدرة على تحقيقها، ومن قياس ما تحقق إلى قياس القدرة على تحقيق ما هو قادم.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :