ذكريات الصيف في المعمورة: 7 أيام في الجنة
د.عبدالفتاح طوقان
20-06-2026 11:27 AM
تظل ذكريات الصيف في المعمورة بالإسكندرية محفورة في الذاكرة، مثل أغنية "دوَّارين في الشوارع" التي غنتها نجاة في فيلم "٧ أيام في الجنة" للمخرج فطين عبد الوهاب.
تم تأسيس مدينة "المعمورة" كمنطقة سياحية حديثة ومتكاملة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر عام ١٩٦٠ . تبلغ مساحتها ٦٠٠ فدان، اي ٢٤٠٠ دونم ،وتشتهر ببواباتها المميزة وشاطئها الخاص المجاور لمنطقة المنتزه
تعود هذه الذكريات الجميلة التى لا يمحوها الزمن إلى أوائل الستينات ومنتصف السبعينات، حيث كان الشاطئ يمثل جنةً حقيقيةً للمصطافين من الطبقة الراقية من مصر والتى كانت تضم الساسة و المشاهير .
أجواء الشاطئ الخاص في المعمورة تستحضر الأيام الماضية تلك اللحظات الجميلة على الشاطئ، حيث كنا نركض حفاة على أسفلت الشوارع النظيفة والساخن بعد قضاء يوم ممتع في البحر.
كانت الأمواج تتلاطم، ورائحة اليود تملأ الأجواء، مما يزيد من شعور الحرية والانطلاق وكان كل من منطفي الشواطئء يقومون قبل السادسة صباحا بكنس وتنظيف الرمال و تخطيطها في منظر يجعلك تعتقد انهم يضعون ويرصون حبات الرمال حبه حبه بدقة متناهية مثل حبات اللؤلؤ.
كانت الجزيرة الصغيرة في المنتزه المغمورة تحت المياه تمثل وجهةً مثيرةً للسباحة، حيث كنا نغوص في مياهها الزرقاء، ونقطع مياه البحر تحت الجسر الذي يمتد إلي جزيرة الشاي الخاصة بالملك فاروق والتى خصص عليها ٤ فلل لأعضاء من مجلس قيادة الثوره ليس بينهم عبد الناصر او عبد الحكيم عامر فقد كان لهما بيوتا في الجانب الاخر من المعمورة .
الطفولة والشباب في المعمورة لا مثيل لها فقد كانت تلك الأيام تمثل لحظات الطفولة والشباب، حيث كنا نكبر ونلهو ونلعب وندرس معاً، نلعب كرة القدم على الرمال، ونتشارك في لعب الورق مثل الاستيميشن والبريدج. كانت حديقة شاي الملك فاروق مكاناً مميزاً، حيث كنا نقضي أوقاتاً ممتعة، نسبح امامها ومعنا بندقيه صيد السمك تحت الماء ( الهاربول ) ونستمتع بجمال البحر والمنتزه.
الرومانسية والصداقات الجميلة كانت في تلك الأيام مليئة بالحب و صداقة الصيف ، كما قال الفنان سمير صبري " في الصيف لازم نحب "، وحيث كانت نظراتنا تتلاقى وتبتسم قلوبنا وتدق دمائنا وتسخن في كل لحظة برؤية من نحب وننتظر من الصيف للصيف . كانت الصداقات الجميلة والرائعة تشكل جزءًا كبيرًا من تجربتنا، مما أضفى على كل لحظة شعورًا خاصًا من الألفة والمودة والتى قد تمتد للهفة و العشق . كنا نعيش لحظات من السعادة البسيطة، نتبادل الأحاديث والأسرار، ونشاهد الغروب معًا، مما جعل تلك الذكريات تحمل طابعًا رومانسيًا فريدًا.
تجسد ذكرياتنا مع أصدقائنا المهندسين والدكاترة، مثل خالد أبو بكر وأخيه تامر، والدكتور أحمد الفرماوي، و الدكاتره بكر و عمر و علي الظواهري واللواء اشرف العدوي، والمهندس محمد عمر، وتامروحسين هجرس، والدكتور هشام مختار وشقيقه حازم و الدكتور عمر مختار وبينهم شريف عبد الجيد ، وحسام عرفي، ومصطفى عامر و ايمن مسعود وشريف الملا، ومصطفى الصده وطارق وخالد بشير، ومحمد الهنيدي والإخوان مصطفى واحمد و حسين كامل ، وابناء العقيد عبد الحميد سراج الدين وابناء المشير عبد الحكيم عامر وابناء المنتج السينمائي صبحي فرحات و ابناء المنتج الصباح ومحمد حرفوش و الدكتور هشام عبد المجيد و احمد ادم وعلي البطيخي وحسين جرانه والقائمة تطول والذين كانوا جزءاً لا يتجزأ من تلك الأوقات السعيدة، حيث كان يجمعنا الحب والمرح وكان ابائهم هم من يحكمون مصر واليوم كثير منهم في مناصب مختلفة عليا في الحكومة المصرية وحدث بلا حرج على نجاحهم و تميزهم .
كنا نشاهد السيارات المكشوفة التي يقودها الفنانون والمشاهير، ويتمنى أن يراهم الجميع . كانت رحلة السيارات إلى استراحة الرئيس السادات وأسرة عبد الناصر مثيرة، مما أضفى جواً من الحماس على أيامنا.
كانت المعمورة منتجعًا سياحيًا خاصا راقيا و مهمًا، حيث كانت تحظى بحماية أمنية عالية، ولم يكن يسمح بالدخول إليها إلا لمن لديهم كبائن خاصة، مما أضفى على المكان هالة من الفخامة.
وكانت الموسيقى تلعب دورًا أساسيًا في تشكيل ذكرياتنا. كنا نستمع لأغاني داليدا وديمس روسوس، وجون داسن، وفريق البيتلز، الابا ، وخوليو إغليسياس، مما أضفى جوًا مليئًا بالحيوية والفرح.
كانت الأغاني تملأ الأجواء، وتعبر عن شغفنا للحياة وذكرياتنا بالصيف، مما جعل كل لحظة تصبح ذكرى لا تُنسى.
تجمع هذه الذكريات الجميلة بين الفرح والحرية، وهي تجسيد لروح الصيف في المعمورة، حيث تتلاقى الأجيال وتستمر القصص في الحكي.
أيام لا تنسى، ولابد أن يكون يوماً فيلماً عنها، قصة فيلم روائي مليئة بالقصص والمغامرات و السياسة و الساسة اللذين حكموا مصر مثل رئيس الوزراء فؤاد محي الدين و اللواء إبراهيم مدير المخابرات الحربية والفريق فؤاد ذكري قائد القوات البحرية ووزير الزراعه واستطلاح الأراضي ووزير السياحة و وزير التموين وزير الداخلية وأمين عام الاتحاد الاشتراكي ورئيس جامعة الإسكندرية ومدير المخابرات الحربية و نايب مدير المخابرات المصرية و النائب العام وغيرهم الكثير من ارقى واهم العائلات المصرية العريقة .
شاطيء المعموره و كبائن النصر تحديدا أيقونة لم تتوفر في اي دولة من دول العالم و لن تتكرر ، و بقيت إلي يومنا هذا محط الأنظار والذكريات لمرحلة من اهم مراحل حياتنا و الحياة السياسية لمصر في الستينيات و السبعينيات و حتى الثمانينات قبل ان تبدء مرحلة الانفتاح و الساحل الشمالي و التى تختلف كليا في هدفها و روعتها و تاريخها عن ذلك الزمن الجميل الذي كان كل شاغلي كبائن النصر يشكلون اسرة واحده .
حلاوتها مصر باهلها و شعبها و معموراتها التى هى فعلا جنة ارضية