مونديال النشامى .. حين يصبح التشجيع فعلاً وطنياً
محمد نور الدباس
13-06-2026 12:42 PM
في كل النسخ السابقة من بطولة كأس العالم، كان الأردنيون يدخلون المونديال وهم يحملون حيرة المشجع لا يقين المواطن، فبعد أن تُرفع أعلام الدول المشاركة في البطولة العالمية، تبدأ رحلة البحث عن منتخب نتبناه عاطفياً؛ هنا عشاق البرازيل، وهناك أنصار الأرجنتين، وفي زاوية أخرى يتجمع مؤيدو ألمانيا أو إيطاليا أو فرنسا، كان المشهد الأردني جميلًا بتنوعه، لكنه كان يفتقد شيئاً أساسياً وهو أن يكون للأردن مكانه على المسرح العالمي.
أما اليوم، فقد تبدلت الحكاية، وللمرة الأولى في تاريخ المونديلات العالمية، لا يحتاج الأردني إلى استعارة حلم الآخرين، ولا يحتاج إلى ارتداء قميص منتخب بعيد، أو تبرير سبب انحيازه لهذا الفريق أو ذاك، فلقد أصبح للأردن قميصه الخاص في كأس العالم، وأصبح للنشيد الوطني الأردني موعد محتمل في أكبر محفل رياضي على وجه الأرض.
إن تأهل المنتخب الأردني إلى كأس العالم ليس مجرد إنجاز كروي يُضاف إلى سجل الاتحاد الرياضي، بل هو حدث وطني جامع (جاء بدعم ملكي سامي وجهد المنتخب من لاعبين ومدربين وإداريين ودعم المشجعين)، تتقاطع عنده مشاعر الفخر والانتماء والأمل، وهو انتصار لفكرة أن الإصرار قادر على تحقيق المستحيل، وأن الدول الصغيرة بحجمها الجغرافي تستطيع أن تكون كبيرة بأحلام أبنائها.
فعلى مدى عقود طويلة، تابع الأردنيون المونديال من خلف الشاشات وهم يتمنون أن يأتي اليوم الذي يرون فيه اسم وطنهم بين كبار اللعبة، واليوم، تحقق ذلك الحلم، ولم يعد الأردن متفرجاً على صناعة التاريخ، بل أصبح شريكاً فيه.
ولعل أجمل ما في هذه المشاركة أنها أعادت تعريف معنى التشجيع لدى الأردنيين، ففي الوقت الذي كانت الانقسامات الرياضية السابقة تعكس أذواقًا شخصية متباينة، فإن "مونديال النشامى" يوحد القلوب خلف راية واحدة، هنا، لا يسأل الأردني جاره عن المنتخب الذي يشجعه، لأن الإجابة أصبحت بديهية وهي بكل بساطة المنتخب الأردني.
وفي عالم تتزايد فيه عوامل الانقسام والاستقطاب، تبدو الرياضة أحياناً إحدى المساحات النادرة التي تستعيد فيها المجتمعات شعورها الجمعي، وكأس العالم القادمة تمنح الأردنيين فرصة استثنائية لتجديد هذا الشعور، والاحتفاء بصورة وطن يتقدم بثقة إلى العالم، حاملاً اسمه وعلمه وطموحات شعبه.
صحيح أن المنافسة ستكون صعبة، وأن كرة القدم لا تعترف إلا بما يحدث داخل المستطيل الأخضر، لكن مجرد الوصول إلى هذا المحفل العالمي يمثل رسالة تتجاوز حدود الرياضة؛ رسالة مفادها أن الأحلام الوطنية الكبرى لا تتحقق دفعة واحدة، وإنما تُبنى بالصبر والعمل والتخطيط والإيمان بالقدرة على الإنجاز، وأننا يمكن لنا أن نحقق أحلامنا في كافة المجالات السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية والعلمية والحقوقية.
سيكون هذا المونديال مختلفًا في البيوت الأردنية، وفي المقاهي، وفي الشوارع التي ستكتسي بالأعلام الأردنية، وسيختلف في نبض القلوب، وفي حجم الترقب، وفي الدموع التي قد تنهمر فرحاً أو حزناً، لأنه ببساطة، وللمرة الأولى في تاريخ كرة القدم الأردنية، سيكون الأردنيون يشاهدون أنفسهم في كأس العالم.
هذا ليس مونديال الولايات المتحدة الأمريكية أو المكسيك أو البرازيل أو الأرجنتين أو فرنسا بالنسبة لنا، بل هو مونديال الأردن، وفي اللحظة التي يدخل فيها النشامى أرض الملعب، سيركض معهم وطن بأكمله؛ وطن طال انتظاره لهذه اللحظة، وآمن بأن رايته تستحق أن ترفرف بين أعلام العالم، ففي هذا المونديال، لن يكون التشجيع مجرد هواية رياضية عابرة، بل سيكون فعلاً وطنياً، وتعبيراً صادقاً عن الانتماء، واحتفالاً بحلم أردني أصبح حقيقة، وفي رأينا إنه مونديال النشامى... ومونديال الأردنيين جميعاً.