سبع ايقونات لوطن لا تنتهي عجائبه
د. هيفاء ابوغزالة
20-06-2026 02:46 PM
ليست كل الدول محظوظة بأن تمتلك قصة ترويها للعالم. بعض الدول تصنع روايتها من حدث عابر أو إنجاز مؤقت، أما الأردن فقد منحه التاريخ والجغرافيا والإنسان ما يكفي من الحكايات ليبقى حاضراً في الذاكرة الإنسانية عبر آلاف السنين. وعلى هذه الأرض التي تعاقبت عليها الحضارات، وسارت فوق ترابها القوافل والرسالات، ما تزال الشواهد قائمة تروي قصة وطن صغير في مساحته، كبير في أثره، غني في تنوعه، ومتجدد في قدرته على الإدهاش.
من هنا تكتسب مبادرة «عجائب الأردن السبع» أهمية تتجاوز بكثير حدود العمل السياحي التقليدي. فهي ليست مسابقة لاختيار أجمل المواقع، وليست مجرد حملة ترويجية عابرة، بل مشروع وطني لإعادة اكتشاف الأردن، وإعادة تقديمه للأردنيين أولاً وللعالم ثانياً. إنها دعوة مفتوحة لإعادة قراءة كتاب الوطن من جديد، واكتشاف كنوزه التي قد نمر بجوارها أحياناً دون أن ندرك حجم ما تمثله من قيمة حضارية وإنسانية.
المبادرة التي جاءت بدعم من معالي أسامة الدباس وأطلقها الدكتور محمد الفرجات تمثل نموذجاً متقدماً في إشراك المجتمع في صناعة الرواية الوطنية. فبدلاً من أن تبقى عملية اختيار الرموز السياحية حكراً على المؤسسات أو الخبراء، تمنح المبادرة الأردنيين أنفسهم فرصة المساهمة في اختيار المواقع التي يرون أنها تعبر عن هوية وطنهم وتاريخه وذاكرته الجماعية. وهذا بحد ذاته إنجاز وطني مهم، لأن الانتماء الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن أنه شريك في صياغة صورة بلده ومستقبله.
وفي عالم تتنافس فيه الدول على بناء قوتها الناعمة وتعزيز حضورها الثقافي والسياحي، يمتلك الأردن رصيداً استثنائياً من المقومات التي تؤهله ليكون أحد أهم المقاصد الحضارية والطبيعية في المنطقة. فهنا تلتقي الصحراء بالجبال، والرسالات السماوية بالحضارات القديمة، والطبيعة الخلابة بالمدن التاريخية التي ما تزال تنبض بالحياة بعد آلاف السنين.
ومع الحديث عن عجائب الأردن السبع، تبرز حقيقة لا تحتاج إلى تصويت ولا إلى نقاش. فالبتراء ليست مجرد موقع مرشح ضمن القائمة، وليست اسماً من بين أسماء المتنافسين. البتراء هي نقطة البداية. وإذا كانت الإنسانية قد اختارتها لتكون واحدة من عجائب الدنيا السبع الجديدة، فلا يمكن وطنياً ولا تاريخياً أن تكون خارج قائمة العجائب الأردنية. فالبتراء ليست موقعاً أثرياً فحسب، بل هي رمز للعبقرية الإنسانية، وعنوان عالمي للأردن، وجسر ربط بين الماضي والمستقبل. إنها الموقع الذي حمل اسم الأردن إلى العالم، ولذلك فإن وجودها في مقدمة القائمة ليس تفضيلاً، بل استحقاقاً طبيعياً لا خلاف عليه.
لكن عظمة الأردن تكمن في أن البتراء ليست نهاية الحكاية. فكلما ظننت أنك وصلت إلى ذروة الدهشة، اكتشفت وجهاً جديداً لهذا الوطن. من سكون وادي رم المهيب، إلى فرادة البحر الميت، ومن روعة جرش إلى قدسية المغطس، ومن غابات الشمال إلى القلاع التاريخية والوديان والمحميات الطبيعية، تتوالى المشاهد وكأن الأردن متحف مفتوح تحت السماء، صاغته الطبيعة وكتب فصوله التاريخ.
غير أن نجاح المبادرة واستدامة أثرها يتطلبان الانتقال من فكرة التصويت الآني إلى بناء نموذج وطني راسخ لاختيار الأيقونات الأردنية. فكما وضعت منظمة اليونسكو معايير عالمية دقيقة لتسجيل مواقع التراث الإنساني، فإن الأردن يمتلك اليوم فرصة لتطوير منظومة وطنية خاصة به تضمن أن يكون الاختيار قائماً على أسس علمية وثقافية وتنموية، لا على الشهرة وحدها أو على حجم الحملات الإعلامية المصاحبة.
ومن هنا تبرز أهمية إطلاق ما يمكن تسميته «مؤشر الأيقونة الوطنية الأردنية»، ليكون مرجعاً علمياً ووطنياً لتقييم المواقع المرشحة لعجائب الأردن السبع. ويستند هذا المؤشر إلى مجموعة من العناصر المتكاملة تشمل القيمة التاريخية والحضارية للموقع، ومدى تفرده وندرته على المستويين الإقليمي والعالمي، وأبعاده الدينية والثقافية، وجاذبيته السياحية، ومستوى جاهزيته واستدامته، وأثره الاقتصادي على المجتمعات المحلية، إضافة إلى حضوره في الوعي الجمعي والهوية الوطنية الأردنية.
وعندما تخضع المواقع لهذه المعايير مجتمعة، يصبح الاختيار أكثر عدالة ومصداقية وعمقاً، ويتحول من منافسة شعبية مؤقتة إلى مشروع وطني طويل الأمد. كما يتيح ذلك للأردن أن يقدم نموذجاً عربياً رائداً في إدارة وتصنيف موارده التراثية والسياحية، وأن يجعل من «عجائب الأردن السبع» مرجعاً وطنياً دائماً يتجدد مع الزمن ويواكب تطور المواقع وقدرتها على خدمة التنمية والثقافة والسياحة.
فالمطلوب ليس فقط اختيار سبعة مواقع جميلة، بل تحديد سبعة رموز تختصر قصة الأردن وتروي للعالم فصول هويته الحضارية والإنسانية. وعندما ننجح في بناء هذا المؤشر الوطني، فإننا لا نختار عجائب الأردن السبع فحسب، بل نؤسس لمدرسة أردنية جديدة في صون التراث وإبراز القوة الناعمة للدولة وتعزيز حضورها على الخارطة الثقافية والسياحية العالمية.
ولعل القيمة الأهم لهذه المبادرة أنها تعيد توزيع الضوء على مختلف مناطق المملكة. فهناك مواقع نالت شهرة عالمية واسعة، وأخرى لا تقل أهمية أو جمالاً ما تزال تنتظر من يروي قصتها. ولهذا فإن رحلة البحث عن عجائب الأردن السبع قد تكون أهم من إعلان النتائج نفسها، لأنها ستدفع الأردنيين إلى السفر داخل وطنهم، واكتشاف أماكن جديدة، وإعادة النظر في كنوز اعتادوا وجودها حتى كادوا ينسون عظمتها.
كما أن المبادرة تحمل بعداً اقتصادياً وتنموياً لا يقل أهمية عن بعدها الثقافي. فكل موقع يسلط عليه الضوء يعني فرصاً جديدة للاستثمار، وحركة سياحية أكبر، ومشاريع محلية أكثر قدرة على النمو، ومجتمعات تستفيد من مواردها وتراثها. وهكذا يتحول الإرث الحضاري من ذاكرة للماضي إلى رافعة للمستقبل.
إن «عجائب الأردن السبع» ليست مشروعاً لاختيار مواقع سياحية فحسب، بل فرصة وطنية لإعادة تعريف العلاقة بين الأردنيين ووطنهم، وبين الوطن والعالم. إنها دعوة لنروي قصتنا بأصواتنا، وأن نقدم للأجيال القادمة خريطة من الرموز التي تجسد هوية الأردن وتلخص مسيرته.
قد نختلف حول أسماء المواقع التي تستحق أن تكون ضمن القائمة النهائية، لكننا لن نختلف على حقيقة واحدة: الأردن أكبر من أي قائمة، وأغنى من أي تصنيف، وأعمق من أن تختصره سبعة مواقع فقط. فهو وطن تتجاور فيه المعجزة الطبيعية مع العبقرية الإنسانية، ويلتقي فيه التاريخ بالدين والثقافة والطبيعة في لوحة نادرة قل أن تجتمع عناصرها في مكان واحد.
ولهذا فإن عجائب الأردن الحقيقية لا تكمن فقط في المواقع التي سنختارها، بل في الأردن نفسه... ذلك الوطن الذي كلما اعتقدت أنك اكتشفت أسراره، فاجأك بسر جديد، وكلما ظننت أنك بلغت ذروة الدهشة فيه، قادك إلى شأن أكبر إنه وطن لا تنتهي عجائبه.