بين الحماس الرياضي ومتطلبات السلامة العامة
حجازي البحري المحاميد
23-06-2026 08:41 PM
أعاد الحادث المؤسف الذي وقع أثناء متابعة فعاليات كأس العالم للأذهان سؤالاً مهماً حول كيفية اختيار المواقع المناسبة لاستضافة التجمعات الجماهيرية الكبرى، ومدى مراعاة اعتبارات السلامة العامة عند اتخاذ مثل هذه القرارات.
فالمدرج الروماني يعد أحد أبرز المعالم التاريخية والأثرية في الأردن، ويحمل قيمة حضارية وثقافية كبيرة، إلا أن طبيعته الإنشائية وتاريخه الطويل يفرضان التعامل معه بحذر شديد عند استخدامه لاستقبال أعداد ضخمة من الزوار في وقت واحد. فالموقع شُيّد في ظروف تاريخية مختلفة تماماً عن متطلبات التجمعات الجماهيرية الحديثة، كما أن تصميمه يتضمن ممرات وأنفاقاً ومساحات حركة قد لا تكون مهيأة لاستيعاب تدفقات بشرية كبيرة ومتزامنة.
ويضاف إلى ذلك أن الانحدار الحاد في مدرجاته قد يزيد من خطورة أي حالة تدافع أو حركة مفاجئة للجماهير، خصوصاً في لحظات الحماس أو الطوارئ، وهو ما يستدعي دراسة دقيقة لمخاطر الإخلاء وإدارة الحشود قبل إقامة أي فعالية جماهيرية واسعة النطاق.
ولعل السؤال المشروع الذي يطرح نفسه: هل كانت هناك بدائل أكثر ملاءمة من حيث السلامة والخدمات والبنية التحتية؟
فمدينة الحسين للشباب، على سبيل المثال، تضم ملاعب ومنشآت رياضية صُممت أساساً لاستقبال الجماهير بأعداد كبيرة، وتتوفر فيها مواقف للمركبات، ومرافق صحية، ومخارج ومداخل متعددة، إضافة إلى خبرة طويلة في إدارة الأحداث الرياضية والجماهيرية. كما أن توزيع الجماهير على أكثر من موقع كان من الممكن أن يخفف من الازدحام ويحد من المخاطر المحتملة.
إن طرح هذه التساؤلات لا يهدف إلى توجيه اللوم أو إصدار أحكام مسبقة، بل إلى التأكيد على أهمية مراجعة آليات اتخاذ القرار في مثل هذه الفعاليات، والاستفادة من الدروس المستخلصة لضمان عدم تكرار أي حادث مؤسف مستقبلاً. فسلامة المواطنين يجب أن تبقى المعيار الأول الذي يسبق أي اعتبارات أخرى، مهما كانت أهمية الحدث أو حجم الإقبال الجماهيري عليه.
وفي النهاية، نتوجه بالدعاء بالرحمة للمتوفى، وبالشفاء العاجل للمصابين، وأن تكون هذه الحادثة دافعاً لتعزيز ثقافة السلامة العامة والتخطيط الاحترافي لإدارة الحشود في جميع المناسبات الكبرى.