facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




واشنطن تعتقد أن المحادثات تنهي الأزمة .. أما طهران فقد ترى أنها تديرها فقط


د. محمود قدره العناقرة
24-06-2026 10:11 AM

في محادثات بورغنشتوك، لا يتمحور التفاوض الأساسي حول التفاصيل التقنية المتعلقة بعمليات التفتيش أو تخفيف العقوبات، بل حول سؤال أكثر عمقاً: هل تعمل واشنطن وطهران وفق الفهم نفسه لما يمكن أن تحققه أدوات الإكراه والضغط؟

تنظر واشنطن بصورة متزايدة إلى العقوبات الاقتصادية والضغط العسكري باعتبارهما أدوات قادرة على فرض امتثال منظم يؤدي في النهاية إلى استقرار إقليمي. ويقوم هذا التصور على تسلسل منطقي واضح: فالضغط يولد النفوذ، والنفوذ ينتج الامتثال، والامتثال يقود إلى النظام والاستقرار.

غير أن هذه المقاربة تعتمد على افتراض محدد يتعلق بكيفية تصرف الدول عندما تتعرض لقيود وضغوط مستمرة.

ومع ذلك، فإن الاستراتيجية الأمريكية لا تقوم على توقع تحول سياسي جذري داخل إيران. بل إنها تستهدف أهدافاً أكثر محدودية تتمثل في خفض مخاطر التصعيد، واستعادة قوة الردع، وإعادة فتح قنوات التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى تحقيق قدر من الاستقرار في الأنظمة الإقليمية الحساسة بما يمنع اندلاع صراع أوسع.

ومن هذا المنظور، يُنظر إلى فرض القيود المؤقتة بحد ذاته باعتباره إنجازاً استراتيجياً ذا قيمة.

بهذا المعنى، أصبحت إدارة الدولة الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على الاحتواء وكسب الوقت أكثر من اعتمادها على التسويات الدائمة والمستقرة.

لكن حتى هذا النوع المحدود من الاستقرار يعتمد على افتراضات قد لا تصمد مع مرور الوقت. فالاتفاقيات القائمة على تخفيف تدريجي للضغوط مقابل امتثال تدريجي قد تنجح في خفض التوترات الآنية، لكنها تترك جذور الصراع الاستراتيجي دون معالجة حقيقية.

لذلك فإن الخطر خلال الستين يوماً المقبلة لا يتمثل في انهيار فوري للمحادثات، بل في سوء تفسير الهدوء التكتيكي باعتباره حلاً بنيوياً دائماً للأزمة.

تكمن المشكلة الأعمق في اختلاف التفسير الاستراتيجي بين الطرفين. فواشنطن تنظر إلى الدبلوماسية القسرية باعتبارها وسيلة لإنتاج تقارب سياسي واستراتيجي. أما طهران، فتتعامل مع الإطار نفسه بوصفه وضعاً يمكن احتواؤه وإدارته والصمود أمامه حتى يضعف تأثيره.

وقد ظهر هذا التباين بوضوح منذ الجلسات الأولى للمحادثات. ففي الوقت الذي تحدث فيه المسؤولون الأمريكيون عن تقدم يتعلق بالامتثال وإمكانية توسيع وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية، سارع المسؤولون الإيرانيون إلى رفض أي إيحاء بوجود التزامات جديدة.

فما تعتبره واشنطن خطوة ملزمة نحو نظام أكثر تنظيماً واستقراراً، تراه طهران مجرد موقف تكتيكي فرضته ظروف الضغط ويجب الدفاع عنه دون تقديم تنازلات استراتيجية أوسع.

وبينما تركز واشنطن على ما يتم الاتفاق عليه رسمياً، تركز طهران على مدة قدرتها على الصمود والمحافظة على موقفها تحت الضغط.

ولا يمثل هذا الوضع خداعاً أو سوء فهم متعمداً من أي من الطرفين، بل يعكس بنية من القيود المتبادلة التي يراها الطرفان بوضوح، لكنهما يفسرانها بطرق مختلفة. فكلاهما يدرك حدود الطرف الآخر، إلا أن أياً منهما لا يستطيع اعتبار تلك الحدود حاسمة أو نهائية.

لا تزال إيران تواجه ضغوطاً اقتصادية وعسكرية كبيرة، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بقدرة مؤثرة على تشكيل مسارات التصعيد بما يمنع تحويل الضغط بشكل مباشر إلى امتثال كامل. فالقيود لا تلغي قدرة الدولة على المناورة، بل تعيد تشكيلها وتوجيهها.

ومن هنا تنشأ حالة يمكن وصفها بـ"الغموض التفاوضي". إذ يمارس كل طرف شكلاً من أشكال السيطرة والنفوذ لا يعترف به الطرف الآخر بالكامل، لكنه لا يستطيع تجاهله أيضاً.

والنتيجة ليست تسوية حقيقية، بل حالة من عدم الاستقرار المستقر، حيث تحل الإشارات والرسائل السياسية محل الحلول النهائية.

إن الدبلوماسية القسرية الحديثة لا تفشل بالضرورة لأن الأطراف لا تفهم بعضها البعض، بل لأنها تفهم جوانب مختلفة من الواقع بشكل صحيح، لكنها تعجز عن تحويل هذه الرؤى الجزئية إلى نتيجة سياسية مشتركة ومتفق عليها.

وبالنسبة لواشنطن، لا يكمن الخطر فقط في احتمال فشل المفاوضات، بل أيضاً في احتمال نجاحها بطريقة يساء تفسيرها. فقد يُنظر إلى إطار تفاوضي ينجح في خفض التصعيد الفوري على أنه تحول استراتيجي عميق، بينما لا يكون في الواقع سوى تقارب مؤقت فرضته ظروف الضغط الحالية.

وعليه، فإن بورغنشتوك لا تمثل نهاية الأزمة أو حلها، بل تمثل إدارة للأزمة في ظل افتراضات متنافسة حول عامل الزمن. وفي النهاية، قد يكون الزمن أكثر من الأراضي أو العقوبات أو القدرات العسكرية هو العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت هذه النافذة الممتدة لستين يوماً ستتحول إلى استقرار مستدام أم ستقود إلى جولة جديدة من التوتر والصراع.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :