بعض الناس يخسرون لأنهم اختاروا موقفاً خاطئاً.. وبعضهم ينتصرون لأنهم تمسكوا بموقف صحيح..
إلا أن هناك فئة نادرة لا تخسر أبداً.. لا لأنها الأذكى.. ولا لأنها الأصدق.. ولا لأنها الأكثر إخلاصاً لقضاياها.. بل لأنها لا تمتلك قضية أصلاً..
تنتظر حتى ينقشع الغبار.. وتراقب حتى تتضح النتائج.. ثم تهبط على المشهد كالنسر على فريسته.. مدعية أنها كانت ترى ما لم يره الآخرون..
هؤلاء أسميهم "المتشعبطون"..
فالمتشعبط لا يحمل قضية.. بل يحمل سلّماً.. يتسلق كل حدث صاعد.. ويقفز إلى كل منصة ناجحة.. ويضع صورته في صدر المشهد بعد أن ينتهي الآخرون من دفع الثمن..
فتراه غائباً ساعة التضحية.. حاضراً بقوة ساعة الحصاد..
لا يدافع عن فكرة.. حتى يتأكد أنها منتصرة.. ولا يعارض اتجاهاً.. حتى يضمن سقوطه.. يراقب من بعيد كما يفعل تجار البورصة.. فإذا ارتفع السهم.. أعلن أنه كان من المؤسسين.. وإذا انهار.. أقسم أنه كان أول المحذرين..
المتشعبط لا يؤمن بالإصلاح ولا بالهدم.. لا يؤمن بالسلطة ولا بالمعارضة.. هو لا ينحاز للمواقف.. بل للنتائج..
فإذا انتصر الوطن.. كان وطنياً أكثر من الوطنيين.. وإذا تعثر الوطن.. تحول إلى ناقد شرس يوزع الاتهامات.. وكأنه لم يكن جزءاً من المشهد..
إنه الكائن الذي يملك وجوهاً أكثر مما يملك مواقف.. ويتقن تبديل جلده أكثر مما يتقن الدفاع عن فكرة..
ولذلك فإن ثروته تنمو مع الأزمات.. ونفوذه يكبر مع الانقسامات.. ومصالحه تزدهر كلما اشتد الصراع بين الناس..
فهو لا يعيش على الإنجازات.. بل على جهود من أنجزوا.. ولا يصعد بسواعده.. بل على أكتاف الآخرين..
والمصيبة أن كثيرين يخطئون في تشخيصه.. فيحسبونه حكيماً لأنه لا يحسم موقفه.. أو متزناً لأنه لا يغضب.. بينما الحقيقة أنه ينتظر فقط جهة الريح.. ثم يفتح شراعه نحوها..
لهذا لم تكن الأوطان يوماً ضحية المعارض الصريح لأي فكرة.. ولا المؤيد الواضح لها.. بل كانت ضحية أولئك الذين أبقوا شعرة معاوية مع الجميع.. ليضمنوا لأنفسهم مكاناً في كل سفينة.. مهما كان اتجاهها..
فكن مع ما تراه حقاً.. وأعلن موقفك وتحمل تبعاته.. فخطأ الموقف الواضح.. أشرف ألف مرة من انتهازية المتشعبطين..
فإذا كان للأوطان أعداء على حدودها.. فإن المتشعبطين هم الأعداء الذين يتسللون إليها من داخل صفوفها..