أسئلة مشروعة إلى السلطة الكنسية حول قانون الإرث والوصية
د. عبير الرحباني
25-06-2026 12:54 AM
إن أي قانون يمس حقوق الناس ومستقبل عائلاتهم وأموالهم يجب أن يكون واضحا وصريحا وعادلا.. بعيدا عن أي لبس أو غموض أو اجتهادات متباينة في التفسير.. فالميراث ليس قضية هامشية.. بل يتعلق بحقوق ثابتة تمس كل أسرة مسيحية.. ولذلك فإن من حق المسيحيين أن يطرحوا الأسئلة وأن يطالبوا بالإجابات الواضحة والشفافة..
ومن هذا المنطلق.. أتوجه إلى السلطة الكنسية التي أقرت هذا القانون بعدد من التساؤلات المشروعة:
أولا: إذا كانت الغاية هي تحقيق المساواة بين الذكر والأنثى في الإرث.. فلماذا يكون تحقيق هذه المساواة مرتبطا بوجود وصية؟! ولماذا لا يُنص في القانون بشكل مباشر وواضح على المساواة الكاملة بين الذكر والأنثى من دون الحاجة إلى وصية أو إجراءات إضافية؟!!
أليس من الأجدر أن يكون الحق ثابتا بقوة القانون ذاته.. بحيث يعلم كل مسيحي وكل مسيحية بأن المساواة حق قانوني أصيل لا يحتاج إلى وصية ولا إلى تدخل أي طرف؟!!
فالنص الواضح والصريح يحقق العدالة ويمنع النزاعات ويغلق باب التأويل..
ثانيا: هناك شخص تواصل معي وصرح لي بأنه يرغب في التبرع بكامل ممتلكاته وأمواله وعقاراته وأراضيه للكنيسة.. ولا يريد أن يترك شيئا لأولاده أو ورثته الشرعيين..
فما هو موقف الكنيسة في هذه الحالة؟!!
هل ستقبل الكنيسة الحصول على كامل التركة؟!! أم أن المحكمة الكنسية ستتدخل للنظر في الموضوع وتحقيق العدالة وحماية حقوق الورثة ومنع أي تصرف قد يؤدي إلى حرمان الأبناء أو الإضرار بحقوقهم؟!
إن هذا السؤال ليس افتراضيا.. بل يتعلق بجوهر العدالة التي يجب أن تكون فوق كل اعتبار..
ثالثا: هل تخضع الوصية لرسوم مالية عند تنظيمها أو تسجيلها لدى المحكمة الكنسية؟!!
وإذا كانت هناك رسوم أو إجراءات أو شروط خاصة.. فلماذا لا يتم الإعلان عنها بشكل واضح ومفصل ليكون جميع المؤمنين على دراية كاملة بها؟!
رابعا: ما هي الضوابط الكنسية التي تمنع إساءة استخدام الوصية؟ فإذا كان بإمكان شخص أن يغيّر توزيع تركته بواسطة وصية.. فما هي الضمانات التي تمنع الضغط عليه أو التأثير على قراره في سنواته الأخيرة؟!
ومن يملك صلاحية تفسير الوصية إذا كانت عباراتها غير واضحة أو قابلة لأكثر من تفسير؟ وهل يوجد مرجع قضائي كنسي محدد للفصل في هذه النزاعات؟
وهل يحق للورثة الاعتراض على الوصية والطعن بها؟!! وما هي الحالات التي تعتبر فيها الوصية باطلة أو قابلة للإلغاء؟
وكيف ستتأكد المحكمة الكنسية من أن كاتب الوصية كان يتمتع بكامل أهليته العقلية والنفسية وقت تنظيمها؟!!
وهل يمكن تعديل الوصية أو إلغاؤها أكثر من مرة؟! وفي حال وجود عدة وصايا متعارضة.. أيها يتم اعتماده؟!!
وهل توجد مدة زمنية محددة يجب أن تُحفظ خلالها الوصية لدى المحكمة الكنسية؟!! ومن يتحمل مسؤولية حفظها ومنع التلاعب بها؟!
وهل يجوز أن تؤدي الوصية إلى حرمان بعض الأبناء أو الأحفاد من أي نصيب في التركة؟!! وإذا كان الجواب نعم.. فأين الحد الفاصل بين حرية الموصي وبين حماية الأسرة وحقوق الورثة؟!
وإذا كانت المساواة بين الذكر والأنثى مبدأً معتمدا.. فهل يجوز للوصية أن تعيد التمييز بينهما من جديد؟! أم أن هناك حدودا لا يجوز تجاوزها؟!!
وما هي نسبة التركة التي يجوز التصرف بها من خلال الوصية؟! هل هي كامل التركة أم جزء منها فقط؟!!
وهل تخضع الوصايا لرقابة قضائية كنسية قبل تنفيذها أم يتم تنفيذها مباشرة؟!
وما هو مصير الأحفاد إذا توفي والدهم قبل جدهم؟!! وهل توفر التعديلات الجديدة حماية لحقوقهم أم يبقون خارج الاستحقاق الإرثي؟!
وإذا كان الهدف من تعديلات قانون الكنسي تحقيق العدالة الأسرية.. فما هو المعيار الكنسي المعتمد لتعريف العدالة في توزيع التركة؟!
وهل تم إجراء مشاورات واسعة مع أبناء الطوائف والرعية قبل إقرار هذه التعديلات؟! أم أنها صدرت من دون استفتاء أو حوار مجتمعي كاف؟!!
هل سيتم نشر شرح رسمي ومفصل لكل مادة من مواد القانون حتى لا تبقى الحقوق خاضعة للاجتهادات الشخصية؟!
وإذا نشأ خلاف بين نص تعديلات القانون الكنسي ونص الوصية.. فأيهما تكون له الأولوية؟
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا!
إذا كانت العدالة حقا أصيلا لكل مسيحي،..فلماذا تُترك الحقوق الأساسية أحيانا رهينة وصية قد تُكتب أو لا تُكتب.. بدلا من أن تكون محمية بنص قانوني واضح وثابت يضمن المساواة للجميع دون استثناء؟!!
إن من حق كل مسيحي أن يعرف الضوابط الكنسية التي تحكم الوصية.. والشروط القانونية اللازمة لصحتها.. وحدودها.. وآلية الطعن فيها.. والجهة المخولة بتفسيرها أو تنفيذها..
فالإرث والميراث ليسا شأنا خاصا ببعض المختصين فقط.. بل قضية تمس مستقبل العائلات المسيحية جميعها وحقوق الأجيال القادمة..
لذلك فإن الشفافية الكاملة ليست ترفا.. بل ضرورة قانونية وأخلاقية وكنسية..
فالمسيحييون لا يطالبون إلا بالوضوح والعدالة والمساواة.. لأن القوانين العادلة لا تخشى الأسئلة.. والحقوق الواضحة لا تحتاج إلى تفسيرات متغيرة.. والعدالة الحقيقية تكون عندما يعرف الجميع حقوقهم وواجباتهم من دون غموض أو استثناء..
ولهذا فإننا نأمل من الجهات الكنسية المختصة أن تقدم شرحا تفصيليا وشفافا لكل ما يتعلق بقانون الإرث والوصية.. حتى يكون كل مسيحي على بينة كاملة من حقوقه القانونية والكنسية.. لأن المعرفة حق.. والعدالة حق.. والوضوح حق لكل أبناء الكنيسة..