سيداو بين عالمية الحقوق وحدود الخصوصية: اتفاق أم فرض نموذج؟
محمد نور الدباس
25-06-2026 01:15 PM
لم تعد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) مجرد وثيقة دولية ضمن منظومة الأمم المتحدة، بل تحولت إلى معيار يُقاس به “تقدم” الدول في ملف حقوق المرأة، وإلى أداة ضغط سياسي وتشريعي في كثير من السياقات، غير أن هذا الحضور الكثيف للاتفاقية لم يُنهِ الجدل حولها، بل عمّقه، خصوصًا في المجتمعات التي تمتلك منظومات دينية وثقافية مختلفة عن النموذج الليبرالي الغربي الذي انبثقت منه الفكرة.
ففي جوهرها، تقوم سيداو على مبدأ بسيط ظاهريًا وهو القضاء على التمييز ضد المرأة وتحقيق المساواة الكاملة بينها وبين الرجل في جميع المجالات، لكن الإشكال لا يكمن في هذا الهدف المعلن، بل في حدود تفسيره، وطبيعة التطبيق الذي غالبًا ما يتجاوز مفهوم “المساواة أمام القانون” إلى إعادة صياغة البنية الاجتماعية نفسها، بما في ذلك الأسرة والأدوار الاجتماعية والتشريعات الشخصية.
وإن جاز لنا القول، أن الأمر تحول من المساواة إلى إعادة تشكيل المجتمع، فالإشكال المركزي في الاتفاقية أنها تنطلق من تصور واحد للمساواة، أقرب إلى “التطابق” منه إلى “العدالة”، فبدل أن تكتفي بإزالة التمييز القانوني، تتجه في بعض قراءاتها إلى تفكيك أي تمايز اجتماعي أو وظيفي بين الرجل والمرأة، حتى لو كان هذا التمايز مرتبطًا ببنية الأسرة أو اختلاف الأدوار داخلها.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل المساواة تعني تماثلًا كاملًا، أم عدالة تراعي الاختلاف دون أن تتحول إلى تمييز؟ وللإجابة عبى هذا التساؤل نقول أنه في كثير من الدول ذات المرجعيات الدينية، يُنظر إلى هذا التوجه بوصفه نقلًا قسريًا لنموذج اجتماعي غربي، نشأ في سياقات تاريخية مختلفة، ثم جرى تقديمه باعتباره معيارًا عالميًا صالحًا للجميع دون استثناء.
وما دور الخصوصية الثقافية في مواجهة المعايير الدولية، فلا شك أن كثيرًا من القوانين التقليدية في العالم كانت تنتقص من حقوق المرأة، وأن الحاجة إلى إصلاحات تشريعية كانت ولا تزال قائمة، غير أن النقد الموجه لسيداو لا يتعلق برفض حقوق المرأة، بل بطريقة تعريف هذه الحقوق وحدود توحيدها عالميًا.
فبعض مواد الاتفاقية تصطدم بشكل مباشر مع أنظمة الأحوال الشخصية في عدد من الدول، وتفتح الباب أمام إعادة تعريف مفاهيم مثل الولاية والقوامة والميراث، وهي مفاهيم لا تُعد مجرد نصوص قانونية، بل جزءًا من بنية فكرية ودينية متجذرة في المجتمع، وهنا تظهر معضلة حقيقية: هل يمكن فرض معيار حقوقي دولي موحد في مجال شديد الحساسية كالعائلة، دون مراعاة التعدد الحضاري والثقافي؟
ويظهر التباين بين السيادة القانونية والالتزام الدولي، فتزداد حساسية الموضوع مع الضغوط الدولية المتزايدة لرفع التحفظات التي تبديها بعض الدول على مواد الاتفاقية، فبينما يُنظر إلى هذه التحفظات دوليًا باعتبارها “تقييدًا لفاعلية الاتفاقية”، تُرى محليًا كأداة لحماية السيادة التشريعية ومنع التصادم بين الالتزامات الدولية والمرجعيات الداخلية.
فهذا التوتر يكشف إشكالية أعمق في النظام الدولي لحقوق الإنسان: من يملك حق تعريف “الحق” نفسه؟ وهل تتحول المعايير الدولية إلى مرجعية فوق وطنية تُلغي الخصوصيات، أم تبقى إطارًا عامًا يُترك للدول هامش مواءمته؟
وتبقى الأسرة في قلب الجدل، وأكثر النقاط إثارة للجدل تتعلق بالأسرة، فالاتفاقية، في بعض قراءاتها التطبيقية، تُفهم على أنها تدفع نحو إعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة بشكل جذري، لا يقتصر على المساواة في الحقوق، بل يمتد إلى تفكيك التصورات التقليدية للعلاقة بين الرجل والمرأة داخل البناء الأسري.
ويرى منتقدون أن هذا التوجه، إذا طُبق دون تدرج اجتماعي، قد يؤدي إلى اضطراب في البنية الأسرية بدل تطويرها، خصوصًا في المجتمعات التي ما تزال الأسرة فيها وحدة اجتماعية مركزية وليست مجرد كيان قانوني.
وختاماً نركز على الحدين بين عالميّة الحقوق وحدود النموذج الواحد، كون إن الإشكال الحقيقي في سيداو ليس في الدفاع عن حقوق المرأة، فهذا أمر لم يعد محل نقاش جدي، بل في تحويل نموذج ثقافي واجتماعي محدد إلى معيار عالمي إلزامي، دون فتح مساحة كافية للتعدد والاختلاف، فالعالم ليس كتلة واحدة متجانسة، والعدالة لا تتحقق دائمًا عبر نسخ نموذج واحد وتعميمه، بل عبر إيجاد توازن دقيق بين المبادئ الكونية للكرامة الإنسانية، وبين خصوصيات المجتمعات التي تُطبق فيها هذه المبادئ، وبين هذين الحدين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نبحث عن مساواة عالمية بأي ثمن، أم عن عدالة إنسانية تستوعب اختلاف العالم بدل أن تلغيه؟