حين تتكلم الملامح ووجهُ عبدالله !
د. حسين سالم السرحان
25-06-2026 01:21 PM
لا أعرف لماذا بقيت قلقًا من ملامح ملكنا التي بقيت تطاردني هذا اليوم …
فأنا، يا صديقي، متعبٌ بعروبتي وبداوتي ومن قبل بأني أردنيًا…
عدت من الجامعة مساءً، في يوم عادي
وكان رأسي مزدحمًا بأسئلة كثيرة،
لكن سؤالًا واحدًا ظل يطرق قلبي:
لماذا يبدو هذا الملك متعبًا إلى هذا الحد؟
ربما لأن مصدر القلق عندي لمعرفتي بوجوه الرجال،
وأقرأ ملامحهم بفراسة أكثر مما أسمع كلماتهم.
أعرف وجوه الفرح، ووجوه الغضب،
وأعرف جيدًا الفرق بين التجاعيد التي تصنعها السنون، وتلك التي تصنعها الهموم…
أنا ابن البادية الأردنية، بعروبتها الشماء، وفقرها الجميل، وعيشها الضنك.
أنا ابن الأرض التي بقيت نقية،
رغم ما يُمارس على أبنائها من جحود ومن مشاريع الوهم والدجل والكذب، صباح مساء…
رأيت رجالًا كثيرين في عمر الملك؛ رؤساء ووزراء، وسفراء، وضباطًا كبارًا، ومحافظين، ومديري مؤسسات وبنوك،
وحتى شيوخًا ومخاتير.
كثيرون منهم يجيدون الكلام أكثر مما يجيدون الفعل، ويتقنون الظهور أكثر مما يتقنون الإنجاز.
كانت الحياة كريمة مع أغلبهم،
ناموا ليلهم، وعاشوا لأنفسهم،
وحين غادر بعضهم مناصبهم عادوا إلى بيوتهم،
ووجدوا لأنفسهم أدوارًا جديدة…
من الجاهة والوجاهة
أما عبدالله…
فلا أظن أن الوطن يترك له ليلةً كاملة من النوم.
وجهه ليس متعبًا من العمر، بل من المسؤولية.
متعبٌ من أعباء كان ينبغي أن يحملها معه كثيرون،
ومن قلق أبٍ يبحث عن عمل لابنه أو ابنته،
ومن آلاف الرسائل التي قد لا يقرأها بنفسه، لكنها تصل إلى ضميره قبل مكتبه.
أحزن حين أرى مسؤولًا يختبئ خلف الملك،
وأحزن أكثر عندما تتحول عبارة “بتوجيهات ملكية” إلى ستارٍ يختبئ خلفه العاجزون، بدل أن تكون دافعًا للعمل وتحمل المسؤولية.
ليس مطلوبًا من الملك أن يحمل كل شيء.
فهذا وطن… وليس رجلًا واحدًا.
نحن في البادية نقول إن الشيخ آخر من يأكل إذا جاع القوم، وأول من يقف إذا اشتد الخطب…
لكننا عشنا زمنًا صار فيه بعض من يتصدرون المشهد أول من يأكل، وأسرع من يغادر، وأكثر من يبرر…
لهذا،
حين أنظر إلى وجه سيدنا، لا أرى ملكًا فحسب،
بل أرى رجلًا تركت الدولة على ملامحه ما تتركه السنون
على أعمار الرجال...
أرى أردنيًا يحمل فوق كتفيه من الهموم ما كان ينبغي أن يتقاسمه معه كثيرون.
وما أخشاه ليس أن يتعب الرجال من أوطانهم،
بل أن تتعب الأوطان من الذين لا يحملون عنها شيئًا…
متذكرًا بيت حكمة يقول:
"لَعَمْرُكَ ما ضاقَتْ بِلاَدٌ بأَهْلِهَا ...
وَلَكِنَّ أَخْلاقَ الرِّجالِ تَضيقُ"