كل الذي جرى ويجري على مسرح الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران من جهة أخرى لم يقترب من الحلقة الأخيرة من هذا الصراع، فالمسرح يتهيأ لأحداث أكثر تعقيدا من تلك التي شاهدناها ونشاهدها ، وتبادل الضربات الجاري يؤشر على ذلك ، وبغض النظر عن ما يروج له الرئيس الأمريكي في الدوائر السياسية والإعلامية ، فإن الأمور لا زالت ترواح مكانها وتتطور نحو استئناف الحرب الكاملة، فالملف النووي الإيراني ومضيق هرمز لا زالا يعقدان الخلاف ، وكلا الطرفين يضغط بالأوراق التي لديه ، فأمريكا تمارس ضغوطها من بوابة العقوبات والحصار والأموال المجمدة ، وطهران تضغط بقدرتها على إغلاق المضيق وحزب الله ، والوسطاء تائهون بين الطرفين رغم الجهود الكبيرة التي يبذلونها.
المؤشرات في المنطقة تفيد أن الولايات المتحدة حتى في ضوء المفاوضات والهدنة لا زالت تسير نحو نسف كل شىء وكأنها تستعد لاستئناف الحرب ، وطهران لا تتوقف عن إعلانها الاستعداد لمواجهة أي معركة بل لا زالت ترد على أي تحرك عسكري أمريكي ، وأنها لن تتنازل عن برنامجها النووي ولن تسقط الأوراق التي بيدها ، وهذا يعني أن الأمور على سطح طاولة المفاوضات تراوح مكانها ، وأن الصدام في هذه المفاوضات يمكن أن يترجم إلى صدام بالنار إلا إذا كان الطرفان يخفيان شيئا تحت الطاولة وسيفاجآن العالم باتفاق كامل ، لا سيما أن النظام الإيراني يعتمد بفكره المذهبي والسياسي المراوغة والتقية ، ومن الممكن أن يبرر ذلك بسهولة لحلفائه إذا توصل إلى حل وسط يحميه من المعادلات الأمريكية التي لم تسقط من حساباتها إسقاط النظام على الرغم من تصريحات ترامب المتضاربة في معظمها.
العامل الحاسم في حسم هذا الصراع الموقف الاسرائيلي الذي يقوده نتنياهو وحلفاؤه في الحكم ، فكل الذي جرى على هامش الصراع من مفاوضات واتفاقات لا توافق عليه تل أبيب وهي تمارس ما تراه مناسبا بالنسبة لمشروعها في المنطقة وكأن الأمر لا يعنيها، ولا يتردد نتنياهو في إعلان رفضه للمواقف الأمريكية ويمارس ذلك على أرض الواقع في لبنان، و يصر على عدم إيقاف إطلاق النار وعدم الانسحاب على طريق خطته بالقضاء على حزب الله رغم مفاوضات واشنطن بين حكومته والحكومة اللبنانية التي أنتجت ما سمي بإطار اتفاق.
ومن يراهن على أن الضغط الأمريكي على إسرائيل سيأتي بتيجة يكون مخطئا لأن وسائل هذا الضغط تظل محدودة مقارنة بالضغط من قبل مؤسسات أخرى في الولايات المتحدة لصالح إسرائيل التي بدأت تتحرك على الأرض والتي من الممكن أن تغير مواقف البيت الأبيض لصالح نتنياهو وتحمل إيران مسؤولية انهيار المفاوضات الهشة ونعود للمربع الأول..
نتنياهو يعتبر نفسه حاملا للمشروع الإسرائيلي في المنطقة ولن يوقفه أحد لكن في هذه المرحلة ربما اصطدم هذا المشروع بعقلية ترامب لأن الأخير مشروعه يختلف ببعض ملامحه عن مشروع نتنياهو ويميل إلى التبريد في الملفات لهدفين ،الأول ليظهر للعالم أنه رجل سلام وانه هو الوحيد الذي يستطيع أن ينهي الحروب في العالم حتى وإن كان على الورق كما حدث في غزة.
ومجلس السلام إياه الذي نسي أمره ، والهدف الثاني يتجلى في مكتسبات استثمارية وهذا عائد أن الرجل لم يأت من عمق مؤسسة السياسة الأمريكية وجاء من باب مختلف تماما عن تاريخ قدوم الرؤساء الأمريكيين.
المنطقة مقبلة على احداث كبيرة طالما أن نتياهو ماض في تنفيذ مشروعه ولا يعنيه ما يجري في سويسرا وواشنطن لأنه لا يمثل نفسه في المعركة بل هو واجهة لمشروع كبير كتبت فصوله في الدوائر الصهيونية المظلمة وهو ليس صاحب صلاحية ليقرر به...لذلك الحلقة الأخيرة فيما يجري في المنطقة لم تأت بعد ،وإذا قدر لها أن تكون عندما نصل اليها كما تريد اسرائيل ستكون المنطقة برسم جديد يكون العرب هم الذين خسروا وحدهم.