facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




خلف الهزيمة… مراجعة لا بد منها .. قراءة في الحوكمة الرياضية


د. رائد قاقيش
30-06-2026 12:20 AM

*إدارة المنتخبات الوطنية وبناء الإنسان

لم تكن مباراة الأردن والأرجنتين مجرد مباراة ودية انتهت بخسارة في النتيجة، ولم يكن الجدل الذي أعقبها مجرد حالة انفعال جماهيري ستطويها الأيام. فالمباريات الكبرى لا تُقاس بنتائجها وحدها، بل بما تكشفه من مواطن قوة وضعف، وما تفتحه من أسئلة حول طريقة إدارة المنظومة الرياضية بأكملها. فكل مباراة من هذا النوع هي فرصة للمراجعة، وفرصة للتعلم، وفرصة لاختبار مدى جاهزية المؤسسة الرياضية قبل أن تكون اختبارًا لقدرات اللاعبين.

‎ولهذا، فإن النظر إلى ما حدث باعتباره خطأ فرديًا أو لحظة عابرة سيكون قراءة ناقصة. ففي الرياضة الاحترافية لم يعد الهدف البحث عن شخص نحمّله المسؤولية، وإنما البحث عن الأسباب التي سمحت بوقوع الخطأ، وعن الآليات التي كان يمكن أن تمنع تكراره. فالهدف الذي يدخل المرمى لا يبدأ عند خط المرمى، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ من غرفة الاجتماعات، ومن تقرير محلل الأداء، ومن قرار الجهاز الفني، ومن تقييم مدرب الحراس، ومن قراءة الحالة البدنية والذهنية والنفسية لكل لاعب قبل أن تطأ قدماه أرض الملعب.

‎ومن هنا، لا يهدف هذا المقال إلى توجيه اللوم إلى لاعب بعينه، ولا إلى الدفاع عن لاعب بعينه، ولا إلى الانسياق خلف موجة الغضب أو موجة التبرير. فالمنتخبات الوطنية أكبر من الأشخاص، وأكبر من مباراة واحدة، وأكبر من أي نتيجة. وما يهم في نهاية المطاف ليس من نلوم، بل ماذا نتعلم، وكيف نمنع تكرار الأخطاء، وكيف نحول كل إخفاق إلى فرصة حقيقية للتطوير.

‎ولعل أول ما ينبغي التوقف عنده هو طبيعة مركز حراسة المرمى. فهذا المركز يختلف عن جميع مراكز اللعب الأخرى، لأنه المركز الوحيد الذي قد يتحول فيه قرار واحد إلى نقطة فاصلة في نتيجة المباراة. فالمدافع قد يخطئ ويجد من يغطيه، ولاعب الوسط قد يفقد الكرة ثم يستعيدها، والمهاجم قد يهدر فرصة ثم يعوضها بهدف آخر، أما حارس المرمى فإن هامش الخطأ لديه ضيق للغاية، لأن قراره الواحد قد يمحو جهد فريق كامل امتد لأكثر من تسعين دقيقة.

‎ولهذا لم تعد المدارس الكروية الحديثة تنظر إلى حارس المرمى باعتباره لاعبًا يمتلك رد فعل سريعًا فحسب، بل باعتباره صاحب قرار. فهو يقرأ المشهد في أجزاء من الثانية، ويقدّر المسافات، ويحسب زوايا الرؤية، ويتوقع حركة المنافس، ويوازن بين المخاطرة والأمان، ويتخذ قراره تحت ضغط جماهيري ونفسي هائل. ولذلك أصبحت حراسة المرمى علمًا قائمًا بذاته، تُدرّس فيه مهارات الإدراك، والتمركز، واتخاذ القرار، وإدارة الضغط النفسي، تمامًا كما تُدرّس المهارات البدنية والفنية.

‎ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش حول أداء حارس المرمى يجب أن يبقى نقاشًا فنيًا ومهنيًا، لا شخصيًا ولا عاطفيًا. فالنقد الرياضي ليس انتقاصًا من تاريخ لاعب، ولا إنكارًا لما قدمه من عطاء، وإنما هو جزء من ثقافة الاحتراف التي تقوم على أن كل لاعب، مهما كانت مكانته، يخضع للمراجعة والتقييم المستمر. فالمراكز في المنتخبات الوطنية لا تُمنح مكافأةً على الماضي، وإنما تُكتسب باستمرار على أساس الجاهزية في الحاضر.

‎غير أن السؤال الحقيقي لا يبدأ من اللاعب، وإنما من المنظومة التي اختارت اللاعب، وأعدته، وقيّمت جاهزيته، ومنحته الثقة قبل المباراة. فإذا كان الخطأ واردًا في كرة القدم، فإن تكرار الخطأ يدفعنا إلى طرح سؤال أكبر: هل قامت المنظومة بكل ما ينبغي أن تقوم به قبل أن تتخذ قرارها؟ وهل كانت جميع أدوات التقييم قد استُخدمت بالقدر الكافي؟ وهل جرت مراجعة الأداء بموضوعية كاملة، بعيدًا عن العاطفة، وبعيدًا عن الاعتماد على التاريخ الشخصي أو الثقة المتراكمة؟

‎لقد انتقلت المؤسسات الناجحة في العالم، منذ سنوات طويلة، من ثقافة البحث عن المذنب إلى ثقافة البحث عن سبب الخطأ. وفي فلسفة الثقافة العادلة (Just Culture)، التي أصبحت من المبادئ الراسخة في إدارة المخاطر في قطاعات مثل الطيران والرعاية الصحية، لا يبدأ التحقيق بالسؤال: “من أخطأ؟”، بل يبدأ بالسؤال: “ما الذي سمح بوقوع الخطأ؟ وهل كان النظام قادرًا على اكتشافه ومنعه قبل أن يتحول إلى أزمة؟”

‎وقد وجدت هذه الفلسفة طريقها إلى الرياضة الاحترافية أيضًا، لأن الفرق والمنتخبات الكبرى لم تعد تكتفي بتحليل أداء اللاعب، وإنما أصبحت تحلل أداء المنظومة بأكملها. فالمنظومة التي تُحمّل الفرد كامل المسؤولية، بينما تعفي نفسها من المراجعة، تُكرر أخطاءها بأسماء مختلفة. أما المنظومة التي تراجع قراراتها، وتختبر آلياتها، وتطور أدواتها، فإنها تحول كل إخفاق إلى خطوة جديدة في طريق النجاح.

‎ولعل من أهم ما يميز المنتخبات الكبرى أنها لا تعتبر المراجعة نوعًا من التشكيك، ولا تنظر إلى النقد باعتباره تهديدًا لهيبة الجهاز الفني أو الاتحاد، بل تعتبره جزءًا أصيلًا من عملية التطوير. فالاحتراف الحقيقي لا يقاس بعدد المباريات التي تحقق فيها الفوز، وإنما بقدرتك على مراجعة نفسك في اللحظة التي يعتقد فيها الجميع أن كل شيء يسير على ما يرام. ولهذا فإن المنتخبات التي تصل إلى أعلى المستويات لا تنتظر وقوع الأزمات حتى تبدأ بالمراجعة، بل تجعل المراجعة ثقافة يومية، تمارسها بعد الفوز كما تمارسها بعد الخسارة.

‎ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل أخطأ الحارس؟ فهذا سؤال مشروع، لكنه ليس السؤال الأهم. السؤال الأكثر أهمية هو: هل كانت جميع حلقات منظومة اتخاذ القرار تعمل بالكفاءة المطلوبة؟ وهل كانت التقارير الفنية، وتحليل الأداء، والمتابعة النفسية، وتقييم الجاهزية، قد قدمت الصورة الكاملة قبل اتخاذ قرار المشاركة؟ لأن اللاعب، في نهاية المطاف، هو الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من القرارات، وإذا أخفقت السلسلة كلها، فمن الظلم أن تتحمل الحلقة الأخيرة وحدها كامل المسؤولية.

‎ولا يقلل هذا الكلام إطلاقًا من المسؤولية الفردية لأي لاعب، فكل لاعب دولي يتحمل مسؤولية أدائه أمام نفسه، وأمام زملائه، وأمام جماهير وطنه. لكن العدالة تقتضي أن يكون تقييم الأداء جزءًا من مراجعة أشمل، لا أن يتحول إلى محاكمة لشخص واحد. فالفكر الإداري الحديث يعلمنا أن المؤسسات التي تبحث عن شخص تعلق عليه الأخطاء، غالبًا ما تؤجل مواجهة المشكلة الحقيقية، بينما المؤسسات التي تبحث عن أسباب الخطأ، تبني أنظمة أكثر كفاءة وقدرة على التطور.

‎ولهذا، فإن المنافسة داخل المنتخب الوطني يجب أن تبقى مفتوحة على جميع المراكز، بلا استثناء. فلا يوجد في كرة القدم الحديثة لاعب يحتفظ بمكانه اعتمادًا على تاريخه، ولا مركز يُعتبر محجوزًا مهما بلغت قيمة صاحبه. فالجاهزية هي المعيار الوحيد، والاستقرار الفني لا يتحقق إلا عندما يشعر كل لاعب أن مكانه يُكتسب كل يوم، من خلال العمل والانضباط والأداء، وليس من خلال ما قدمه في الماضي.

‎وقد أثبتت التجارب العالمية أن وجود المنافسة الصحية داخل المنتخب لا يضعف الفريق، بل يقويه. فاللاعب الذي يشعر بوجود منافس جاهز خلفه، يحافظ على أعلى درجات التركيز، والمدرب الذي يمتلك أكثر من خيار، يصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرار المناسب، والمنتخب الذي يمتلك بدائل حقيقية، يصبح أقل تأثرًا بأي ظرف طارئ. ولهذا، فإن بناء قاعدة واسعة من اللاعبين في كل مركز ليس ترفًا، بل هو أحد أهم مؤشرات الاحتراف.

‎وفي الوقت نفسه، ينبغي التمييز بوضوح بين النقد الفني والاتهام الشخصي. فالنقد يستند إلى الأداء، وإلى التحليل، وإلى الوقائع التي يمكن مراجعتها، بينما الاتهام يستند إلى الظنون والانطباعات، وربما إلى العاطفة. ومن هنا، فإن أي نقاش مسؤول يجب أن يبقى داخل حدود التحليل المهني، بعيدًا عن التشهير أو التقليل من قيمة أي لاعب خدم منتخب بلاده بإخلاص. فليس الهدف إسقاط الأشخاص، وإنما حماية المنتخب، والحفاظ على قدرته على التطور.

‎وربما يكون الإنجاز الأكبر الذي حققه المنتخب الأردني خلال السنوات الأخيرة هو أنه أعاد كرة القدم إلى قلب الشارع الأردني، وجعل ملايين الأردنيين يلتفون حول حلم واحد. وهذا الالتفاف الشعبي يمثل ثروة وطنية لا تقل أهمية عن أي إنجاز فني. ولذلك، فإن المحافظة على هذا الزخم تتطلب شفافية في المراجعة، ووضوحًا في الرؤية، وإيمانًا بأن الجماهير لا تطلب المستحيل، وإنما تطلب أن ترى منظومة تتعلم من أخطائها، وتصارح نفسها قبل أن تصارح الآخرين.

‎ومن هنا، فإن المراجعة ليست اعترافًا بالفشل، بل هي أعلى درجات الثقة بالنفس. فالمنظومة التي تمتلك الشجاعة لتقييم قراراتها، هي المنظومة التي تمتلك القدرة على التطور. أما المنظومة التي تعتبر كل نقد هجومًا، وكل سؤال تشكيكًا، فإنها تغلق على نفسها أبواب التعلم، وتترك الأخطاء تتكرر حتى تصبح جزءًا من الواقع.

‎ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس تغييرًا من أجل التغيير، ولا قرارات متسرعة تحت ضغط الجماهير، وإنما مراجعة مؤسسية هادئة، تعتمد على البيانات، والتحليل، والخبرة، وتعيد تقييم كل التفاصيل التي قد تبدو صغيرة، لكنها في كرة القدم الحديثة تصنع الفارق بين منتخب ينافس، ومنتخب يكتفي بالمشاركة.

‎غير أن المراجعة الحقيقية لا ينبغي أن تقف عند حدود الجهاز الفني أو الاتحاد، بل تمتد إلى سؤال وطني أكبر: ما المكانة التي نريد أن تحتلها الرياضة في الأردن خلال السنوات القادمة؟ وهل ما زلنا ننظر إليها باعتبارها نشاطًا ترفيهيًا يرتبط بنتيجة مباراة، أم آن الأوان لأن نراها مشروعًا وطنيًا متكاملًا لبناء الإنسان؟

‎فالرياضة ليست مجرد منافسات وكؤوس وميداليات، وإنما ثقافة مجتمعية، وأسلوب حياة، ومحور أساسي في بناء الشخصية. إنها تعلم الانضباط قبل الفوز، والعمل الجماعي قبل النجومية، واحترام القانون قبل المنافسة، والإصرار على النهوض بعد الإخفاق. وهي، قبل كل ذلك، من أقوى الأدوات التي تعزز الانتماء للوطن، وتمنح الشباب مساحة للتعبير عن طاقاتهم، وتجمع أبناء المجتمع حول هدف واحد يتجاوز كل الاختلافات.

‎وليس من المبالغة القول إن الدول التي استثمرت في الرياضة لم تكن تستثمر في الملاعب وحدها، بل كانت تستثمر في الإنسان. فالرياضة اليوم جزء من منظومة الصحة العامة، وجزء من منظومة التعليم، وجزء من الاقتصاد، والسياحة، والدبلوماسية، والقوة الناعمة للدولة. ولذلك، فإن كل دينار يُستثمر في اكتشاف المواهب، وفي تطوير الأندية، وفي تأهيل المدربين، وفي البنية التحتية، هو استثمار في مستقبل المجتمع كله، وليس في فريق أو بطولة فقط.

‎ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للتربية الرياضية في المدارس لم تعد قضية تربوية فحسب، بل أصبحت قضية تنموية. فكم من موهبة ضاعت لأنها لم تجد من يكتشفها؟ وكم من طالب كان يمكن أن يصبح بطلًا لو وجد البيئة التي تحتضنه؟ إن المدرسة هي المكان الذي تبدأ فيه صناعة الرياضي، والنادي هو المكان الذي تُصقل فيه الموهبة، والمنتخب هو المكان الذي تتجسد فيه هوية الوطن. وعندما تتكامل هذه الحلقات، تتحول الرياضة إلى مشروع حضاري متكامل، لا إلى موسم ينتهي بانتهاء بطولة.

‎ولعل الإنجاز الذي حققه منتخب النشامى خلال السنوات الأخيرة منح الأردن فرصة تاريخية لإعادة التفكير في موقع الرياضة ضمن أولويات الدولة والمجتمع. فالأحلام الكبيرة لا تُبنى على الحماس وحده، بل تحتاج إلى سياسات، واستراتيجيات، واستثمارات، ومؤسسات تعمل وفق رؤية طويلة المدى. وما تحقق حتى اليوم ينبغي أن يكون نقطة انطلاق، لا نقطة وصول.

‎ولهذا، فإن الحديث عن مراجعة الأداء في مباراة واحدة لا ينبغي أن يُفهم على أنه تقليل من قيمة ما تحقق، بل على العكس تمامًا. فكلما ارتفع سقف الطموح، ارتفعت معه معايير التقييم. ومن يريد أن ينافس المنتخبات الكبرى، عليه أن يقبل بمعايير المنتخبات الكبرى في المحاسبة، والمراجعة، والشفافية، واتخاذ القرار.

‎إن الجماهير الأردنية لم تعد تكتفي بالتصفيق، ولم تعد تنظر إلى المنتخب باعتباره فريقًا يمثلها في مباراة، بل أصبحت ترى فيه مشروعًا وطنيًا يعبر عن صورة الأردن أمام العالم. ومن حق هذه الجماهير أن تطمئن إلى أن كل قرار يُتخذ داخل المنظومة الرياضية يستند إلى أفضل المعايير الفنية والإدارية، وأن كل تجربة، سواء كانت ناجحة أم مؤلمة، تتحول إلى درس يضيف إلى رصيد المستقبل.

‎وفي النهاية، فإن هذا المقال لا يبحث عن إدانة أحد، ولا عن تبرئة أحد، وإنما يدعو إلى ترسيخ ثقافة المراجعة المؤسسية، لأن المنتخبات التي تصنع التاريخ ليست تلك التي لا تخطئ، وإنما تلك التي لا تسمح للخطأ أن يتكرر.

‎ولقد آن الأوان لأن ننظر إلى الرياضة بوصفها مشروعًا وطنيًا، لا نشاطًا موسميًا، ولا ترفًا يمكن تأجيله. فالاستثمار في الرياضة هو استثمار في الإنسان، وفي صحته، وثقته بنفسه، وانضباطه، وقدرته على العمل الجماعي، وإيمانه بوطنه.

‎ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعًا، بعد أن تنتهي كل مباراة، وبعد أن تخفت ضوضاء المدرجات:

‎كيف نبني وطنًا يرى في الرياضة استثمارًا في الإنسان، لا مجرد تسعين دقيقة على أرض الملعب؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :