المستقبل لا يُنتظر .. بل يُصنع
م. عامر البشير
05-07-2026 03:25 PM
المغرب… حين تحوّلت كرة القدم إلى مشروع أمة
لم تكن مباراة المنتخب المغربي أمام كندا مساء أمس مجرد مواجهة كروية انتهت بفوز مستحق، بل كانت تذكيرًا جديدًا بأن ما يحققه المغرب اليوم لم يبدأ مع صافرة البداية، ولم يولد من موهبة جيل واحد، وإنما هو ثمرة مسار طويل من التخطيط والعمل والاستثمار في الإنسان.
فالإنجازات التي يراها العالم على أرض الملعب ليست سوى الجزء الظاهر من قصة بدأت منذ سنوات، حين قرر المغرب أن يتعامل مع كرة القدم باعتبارها مشروعًا وطنيًا، لا بطولة موسمية، وأن يبني منظومة قادرة على إنتاج النجاح بصورة مستمرة، لا أن ينتظر ظهوره بالمصادفة.
لقد أثبت الوصول التاريخي إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، ثم المحافظة على مستويات تنافسية عالية بعد ذلك، أن الفرق بين الدول التي تفوز مرة، والدول التي تستمر في المنافسة، هو الفرق بين الاعتماد على الموهبة، وبناء المنظومة.
من الموهبة إلى المنظومة
اللاعب الموهوب مهم، لكنه لا يكفي. فالموهبة قد تولد في أي مكان، أما الإنجاز فلا يولد إلا داخل بيئة تعرف كيف تكتشف تلك الموهبة، وتطورها، وتحميها، ثم تمنحها الطريق الصحيح نحو الاحتراف.
ولهذا، فإن ما كان ينتصر في مباريات المغرب لم يكن أحد عشر لاعبًا فقط، بل شبكة كاملة من المؤسسات والمدربين والكشافين والإداريين وخبراء الإعداد البدني والعلوم الرياضية، عملت جميعها لهدف واحد: صناعة لاعب قادر على المنافسة عالميًا.
هذه هي الفكرة التي غيّرت المعادلة.
الأكاديمية التي صنعت الفرق
شكّل إنشاء أكاديمية محمد السادس لكرة القدم عام 2009 نقطة تحول حقيقية في مسار الكرة المغربية. ولم تكن الأكاديمية مجرد منشأة حديثة أو ملاعب متطورة، بل كانت تعبيرًا عن رؤية جديدة تعتبر اكتشاف الموهبة مسؤولية وطنية، لا مهمة تترك للمصادفة.
وبالتوازي مع ذلك، قادت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عملية تطوير شاملة لمنظومة اللعبة، فارتبطت الأكاديميات بالأندية، وتكاملت برامج الإعداد مع المنتخبات الوطنية، وأصبح العمل يجري وفق خطة طويلة الأمد لا تتأثر بتغير الأشخاص أو النتائج الآنية.
ولعل مسيرة عدد من نجوم المنتخب، مثل عز الدين أوناحي، ويوسف النصيري، ونايف أكرد، تقدم صورة واضحة لما يمكن أن تصنعه المؤسسة عندما تؤمن بالموهبة وتمنحها الوقت والبيئة المناسبة للنمو.
فالهدف الذي يهتف له الجمهور في بضع ثوانٍ، تسبقه سنوات طويلة من التدريب والانضباط والعمل اليومي، وهي سنوات لا تظهر أمام الكاميرات، لكنها هي التي تصنع الفارق الحقيقي.
البداية من القاعدة
كل تجربة ناجحة في كرة القدم تبدأ من القاعدة الشعبية. فمن الأحياء والمدارس والأندية الصغيرة تخرج المواهب الأولى، وهناك تتسع دائرة الممارسة، وتزداد فرص اكتشاف اللاعبين قبل انتقالهم إلى الأكاديميات والاحتراف.
وهذه الحقيقة ربما تفسر جانبًا من الفجوة بين المغرب وعدد من الدول العربية، التي ما زالت تتعامل مع الرياضة بوصفها رد فعل للنتائج؛ نفرح عند الفوز، ونبحث عن حلول عاجلة عند الخسارة، بينما بناء المنتخبات يحتاج إلى سنوات من العمل الهادئ الذي لا تصنعه العناوين اليومية.
ما وراء المستطيل الأخضر
نجاح المغرب لم يكن رياضيًا فقط، بل كان نجاحًا لفكرة أوسع؛ فكرة أن التخطيط المؤسسي أكثر قدرة على صناعة الإنجاز من الاجتهادات الفردية، وأن الاستثمار في الإنسان يظل أعلى أشكال الاستثمار عائدًا.
ولم تعد كرة القدم اليوم مجرد لعبة، بل أصبحت صناعة متكاملة تحرك الاقتصاد، وتخلق فرص العمل، وتجذب الاستثمارات، وتعزز صورة الدولة في العالم. ومن هنا، فإن الإنفاق على الأكاديميات ومراكز التكوين ليس ترفًا رياضيًا، بل جزء من الاستثمار في رأس المال البشري.
الدرس الأهم
ربما لا تكمن القيمة الحقيقية للتجربة المغربية في عدد المباريات التي فاز بها المنتخب، وإنما في الرسالة التي تقدمها لكل دولة تبحث عن طريقها نحو التميز.
فالموهبة موجودة في كل المجتمعات، لكن ما يختلف هو قدرة المؤسسات على اكتشافها ورعايتها وتحويلها إلى إنجاز. وكم من موهبة عربية كانت تستحق فرصة أفضل، لكنها لم تجد البيئة التي تؤمن بها في الوقت المناسب، ف اللاعب المتخب المغربي عز الدين أوناحي مثلًا: لاعب بدأ في أندية متواضعة، ولم يكن نجمًا إعلاميًا، لكنه وجد البيئة التي سمحت له بالتطور حتى أصبح أحد أفضل لاعبي كأس العالم.
ولهذا، فإن الدرس المغربي يتجاوز كرة القدم، إنه يصلح للتعليم، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، والصناعة، وكل مجال يعتمد على الإنسان بوصفه الثروة الحقيقية، كل لاعب يحمل قصة أسرة، ومدرب، ومدرسة، وحي، ونادٍ صغير، وأن الإنجاز الوطني هو في الحقيقة حصيلة آلاف الأشخاص الذين لا تظهر أسماؤهم في الصورة النهائية.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس كيف نكرر ما فعله المغرب، بل كيف نبني نحن أيضًا منظومات قادرة على إنتاج النجاح بصورة مستدامة. كيف نوسع قاعدة المشاركة؟ وكيف نكتشف المواهب مبكرًا؟ وكيف نجعل المؤسسة أقوى من الفرد، والخطة أطول عمرًا من أي إنجاز عابر؟
التجربة المغربية لا تقدم وصفة جاهزة، لكنها تؤكد حقيقة يصعب الاختلاف عليها: الإنجازات الكبرى لا تأتي صدفة، ولا تولد في ليلة واحدة، وإنما تنمو بهدوء داخل مؤسسات تعرف ماذا تريد، وتملك الصبر الكافي للوصول إليه.
لقد انتصر المغرب في الملعب، لكن الانتصار الحقيقي كان في غرف التخطيط، وفي ملاعب الناشئين، وفي كل طفل مُنح فرصة قبل أن يُطلب منه تحقيق نتيجة
فالمستقبل لا يُنتظر… بل يُصنع.