من تعارض المصالح إلى بناء الثقة: حوكمة القرار لخدمة المواطن والاقتصاد
د. حمد الكساسبة
05-07-2026 05:49 PM
يعيد النقاش الدائر حول تعارض المصالح وحدود استخدام الموقع العام طرح قضية أوسع من أي حالة فردية، تتصل بجودة القرار، وبقدرة المؤسسات على تعزيز الثقة. وفي مثل هذه اللحظات، لا يحتاج الرأي العام إلى القلق أو التعميم، بل إلى قراءة هادئة تؤكد أن الأردن دولة مؤسسات، وأن ما يثار من نقاش يمكن أن يكون مدخلاً للبناء والتحديث، لا سبباً للتشكيك أو إضعاف الثقة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الحوكمة والمساءلة جزءاً من قوة الدولة لا عنواناً لمساءلتها فقط. فالأردن يمتلك رصيداً مؤسسياً وقانونياً ورقابياً يمكن البناء عليه، كما تعكس المؤشرات الدولية صورة متوازنة عن موقعه في النزاهة وسيادة القانون والحوكمة. والمهم اليوم هو تعميق هذا المسار، وربطه بصورة أوضح بجودة الأداء، وأثر السياسات والخدمات على المواطن والمستثمر.
ولا تقف أهمية الحوكمة عند حدود الإدارة العامة، بل تمتد إلى الاقتصاد مباشرة. فوضوح القواعد، وشفافية الإجراءات، واستقرار القرارات، وعدالة المنافسة، كلها عوامل تخفض كلفة الاستثمار وتزيد قدرة القطاع الخاص على التخطيط. ومع اشتداد المنافسة الإقليمية على جذب الاستثمارات، تصبح الحوكمة ميزة تنافسية لا تقل أهمية عن الحوافز والإعفاءات، لأنها تمنح المستثمر ما يبحث عنه دائماً: وضوح المسار، واستقرار القرار، وعدالة الفرص.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن تعارض المصالح لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تشكيكاً بالأشخاص أو المؤسسات، بل باعتباره إجراءً وقائياً يحمي الجميع. فالإفصاح المسبق عن المصالح، وتنظيم العلاقة بين الموقع العام والمصلحة الخاصة، يمثلان متطلباً مؤسسياً لحماية سلامة القرار، وتقليل مساحة التأويل، وحماية المسؤول الجاد والمؤسسة والمستثمر في الوقت نفسه. فالغاية ليست الإدانة، بل تعزيز الثقة في أن الفرص والعطاءات والشراكات تُدار وفق الشفافية والكفاءة والمنافسة العادلة.
غير أن الأنظمة وحدها لا تكفي ما لم تُدار بكفاءة. ومن هنا، يأتي حسن اختيار المسؤولين بوصفه ركناً أساسياً في الحوكمة الرشيدة. فالمسؤول صاحب المعرفة والخبرة والقدرة على الإنجاز يستطيع أن يترجم التعليمات إلى نتائج، وأن يوازن بين سرعة القرار وسلامة الإجراء. كما أن المساءلة العادلة لا تعطل الإدارة، بل تحمي المسؤول الكفؤ، وتربط الصلاحية بالنتيجة، وتمنح المواطن والمستثمر ثقة أكبر في قدرة المؤسسة على الإنجاز.
وتزداد أهمية هذا النهج مع توسع التحول الرقمي. فالأردن قطع خطوات مهمة في تحديث الخدمات والمشتريات الحكومية، ويمكن لهذه الأدوات أن تنتقل من تقديم الخدمة إلى دعم القرار وقياس الأثر. فالبيانات الدقيقة تقيس زمن إنجاز المعاملات، ونسب تنفيذ المشاريع، ومواقع التأخير، وكفاءة الإنفاق، وتساعد على معالجة الخلل مبكراً. وهكذا تصبح الرقمنة أداة لتحسين الخدمة، وتعزيز الشفافية، والوقاية من تضارب المصالح قبل تحوله إلى مشكلة.
ولا يقتصر ذلك على الإدارة المركزية، بل يمتد إلى البلديات والإدارة المحلية. فالبلديات هي نواة التنمية المحلية، لأنها الأقرب إلى المواطن والأقدر على قراءة احتياجات المناطق. ومن هنا، فإن مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد، بما يطرحه من تركيز على حوكمة عمل البلديات وتوضيح الأدوار وتعزيز المساءلة، يمكن أن يشكل فرصة لتعزيز الدور التنموي للبلديات، وربط صلاحياتها بمؤشرات أداء واضحة في الخدمات والرخص والمشاريع وإدارة الموارد. كما أن تمكينها بأدوات حوكمة ومعلومات دقيقة يساعد على جذب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوجيه الإنفاق نحو أولويات تمس حياة المواطنين وتدعم النشاط الاقتصادي المحلي.
وفي المجمل، فإن الحوكمة والمساءلة ليستا خطاباً نظرياً، بل مدخل عملي لتعزيز الثقة وتحسين الاقتصاد والخدمة العامة. والأردن، بما يملكه من مؤسسات وخبرة واستقرار، قادر على تحويل النقاش حول تعارض المصالح وحدود استخدام الموقع العام إلى خطوة تطويرية هادئة. فالغاية هي إدارة تقيس الأثر، وتحسن الخدمة، وتحمي المسؤول الكفؤ، وتعزز الشفافية والمنافسة، وتجعل القرار أكثر ارتباطاً بمصلحة المواطن والاقتصاد.