الجريمة والبطالة والفقر .. الأمن الاجتماعي بوصفه أساس الأمن الوطني
د. بركات النمر العبادي
06-07-2026 12:14 PM
قراءة من منظور الفكر المحافظ الأردني الحديث وخطوة جريأة نحو تشكيل نظرية أردنية في الفكر المحافظ
لم يعد الأمن الوطني في القرن الحادي والعشرين يُقاس بعدد الجنود أو متانة الحدود أو حجم الترسانة العسكرية فحسب، بل أصبح يُقاس أيضاً بقدرة الدولة على حماية مجتمعها من عوامل التفكك الداخلي. فالدول لا تسقط دائماً بفعل الغزو الخارجي، وإنما قد تضعف تدريجياً عندما تتآكل منظومتها القيمية، وتختل عدالتها الاجتماعية، وتتراجع ثقة المواطن بمؤسساته، وتتسع الفجوة بين التنمية والاحتياجات الحقيقية للمجتمع.
ومن هنا ينطلق الفكر المحافظ الأردني الحديث من مسلمة فلسفية مفادها أن الأمن الاجتماعي ليس نتيجة للأمن الوطني ، بل هو أحد أهم شروط وجوده واستمراره ، فالدولة الآمنة ليست فقط تلك التي تحمي حدودها ، وإنما تلك التي تحمي إنسانها ، وتصون هويته ، وتعزز تماسك مجتمعه ، وتبني اقتصاداً منتجاً يوفر الكرامة وفرص الحياة الكريمة.
ان الجريمة ، في هذا التصور، ليست مجرد فعل مجرّم في قانون العقوبات ، وإنما مؤشر على وجود اختلال في إحدى دوائر المجتمع ، فهي قد تكون نتاج ضعف الأسرة ، أو قصور النظام التعليمي ، أو تراجع منظومة القيم ، أو اختلال التنمية ، أو سوء توزيع الفرص ، أو ضعف الشعور بالمواطنة والانتماء ، ولذلك فإن الاقتصار على العقوبة ، مهما بلغت شدتها ، يبقى معالجة للنتيجة أكثر من كونه معالجة للسبب.
ولا يعني ذلك أن الفكر المحافظ يربط الجريمة بالفقر أو البطالة على نحو حتمي ، فهذه مقاربة لا تسندها الخبرة ولا الواقع ، فالأردن ، عبر تاريخه ، عرف مجتمعات محدودة الدخل ، لكنها كانت غنية بقيمها ، متماسكة بأسرها ، قليلة الجريمة بفضل قوة الضمير الجمعي والانتماء الوطني ، كما أن كثيراً من الجرائم الاقتصادية والمالية يرتكبها أفراد لا يعانون عوزاً مادياً ، مما يؤكد أن الأزمة الأخلاقية قد تكون في بعض الأحيان أخطر من الأزمة الاقتصادية.
ومن هنا ، فإن الفكر المحافظ الأردني يرفض اختزال الإنسان في ظروفه الاقتصادية ، فالإنسان ليس مجرد كائن اقتصادي ، بل هو كائن أخلاقي وثقافي ووطني ، تصنعه الأسرة ، وتوجهه المدرسة ، وتصقله الجامعة ، وتحميه الدولة ، ويمنحه المجتمع منظومة من القيم تضبط سلوكه حتى في غياب الرقيب.
لهذا ، فإن مكافحة البطالة لا تُعد في الرؤية المحافظة سياسة تشغيل فحسب ، بل سياسة أمن وطني ، فكل فرصة عمل تحفظ كرامة شاب ، وتحمي أسرة ، وتمنع شعوراً بالإقصاء ، هي استثمار مباشر في استقرار المجتمع ، وكل مشروع إنتاجي يقام في محافظة أو لواء أو قرية ، هو في الوقت نفسه مشروع تنموي ومشروع أمني ، لأنه يضيق المساحات التي تستغلها الجريمة المنظمة ، وتجارة المخدرات ، وشبكات الاحتيال ، وأصحاب الفكر المتطرف.
وفي المقابل ، فإن العدالة الاجتماعية في الفكر المحافظ لا تعني المساواة في النتائج ، بل تعني تكافؤ الفرص وعدالة الوصول إليها ، فلا يمكن بناء مجتمع مستقر إذا شعر أفراده بأن الفرص محتكرة أو أن الكفاءة لا تجد طريقها إلى التقدم ، فالعدالة ليست شعاراً سياسياً ، بل شرطاً من شروط الاستقرار ، والثقة بالدولة ، وتعزيز الانتماء الوطني.
ومن هنا تتبلور إحدى أهم أفكار المحافظية الأردنية الحديثة ، وهي أن الهوية الوطنية ليست قضية ثقافية فقط ، وإنما هي رصيد أمني واستراتيجي للدولة ، فالمجتمع الذي يمتلك هوية وطنية راسخة يصبح أكثر قدرة على مقاومة الجريمة ، وأقل قابلية للاختراق الفكري أو الاجتماعي أو السياسي ، فالانتماء الحقيقي يولّد شعوراً بالمسؤولية ، ويجعل حماية القانون والمصلحة العامة جزءاً من الضمير الوطني ، لا مجرد التزام قانوني.
إن الأمن الاجتماعي ، في الرؤية المحافظة ، يقوم على أربعة أعمدة متكاملة :
أولها الأسرة ، باعتبارها المؤسسة الأولى في بناء الشخصية وغرس القيم والانضباط.
وثانيها التعليم ، الذي يجب أن يجمع بين المعرفة وبناء الشخصية الوطنية ، فلا يخرج خريجين يحملون شهادات فقط ، بل مواطنين يدركون معنى المسؤولية والانتماء.
وثالثها الاقتصاد المنتج ، الذي يفتح أبواب العمل والإبداع ويحول الشباب من طالبي فرص إلى صانعي فرص.
ورابعها الدولة العادلة القوية، التي تطبق القانون على الجميع، وتحارب الفساد بلا تردد، وتحمي الحقوق والحريات في إطار سيادة القانون.
وعندما تضعف إحدى هذه الركائز، تبدأ الفجوة التي تنفذ منها الجريمة ، وتظهر صور جديدة من التهديدات ، مثل المخدرات ، والجريمة الإلكترونية ، والعنف المجتمعي لاختلال واحد هو اختلال التوازن بين الدولة والمجتمع.
ومن هنا، فإن الفكر المحافظ الأردني لا يرى تناقضاً بين الحزم والرحمة ، ولا ، والفساد ، والتطرف ، وهي كلها مظاهر مختلفة ، و بين الردع والوقاية ، بل يعتبرهما جناحين لسياسة جنائية رشيدة ، فالحزم ضرورة لحماية المجتمع ، والوقاية ضرورة لبناء المجتمع والدولة التي تكتفي بالعقوبات دون إصلاح ، ستظل تطارد نتائج الأزمات ، بينما الدولة التي تستثمر في الإنسان والقيم والفرص ستمنع كثيراً من الأزمات قبل أن تولد.
ولذلك، فإن الرؤية المحافظة تقترح استراتيجية وطنية للأمن الاجتماعي ترتكز على التنمية المتوازنة بين المحافظات ، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد الوطني ، وتمكين الشباب ، ودعم الأسرة ، وترسيخ الهوية الوطنية ، وتعزيز سيادة القانون ، وتطوير الشراكة بين المؤسسات الأمنية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية ، فالأمن لا يُنتج داخل المؤسسات الأمنية وحدها ، بل يُبنى يومياً في البيت ، وفي المدرسة ، وفي مكان العمل ، وفي كل مؤسسة تصنع مواطناً صالحاً.
إن الأردن ، بما يمتلكه من إرث سياسي ومجتمعي ، قادر على بناء نموذج وطني يجعل من الأمن الاجتماعي قاعدة للأمن الوطني ، ومن الهوية الوطنية رأس المال الاستراتيجي للدولة ، ومن التنمية العادلة ضمانة للاستقرار فالدول قد تمتلك السلاح وتحمي الحدود ، لكن قوتها الحقيقية تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان ، وصيانة قيمه ، وتعزيز انتمائه ، وبناء الثقة بينه وبين مؤسسات دولته.
وهنا تكمن جوهر المحافظية الأردنية الحديثة: أن أمن الدولة يبدأ من قوة المجتمع، وأن قوة المجتمع تبدأ من قوة الأسرة، والهوية، والعدالة، والعمل، وسيادة القانون. وإذا كانت الحدود تحمي الوطن من الخارج، فإن هذه القيم هي التي تحميه من الداخل، وهي الحصن الذي لا يمكن لأي تهديد أن يخترقه ما دام المجتمع متماسكاً والدولة عادلة وقوية.
هذه الفكرة أحد الأسس التي يمكن البناء عليها لتشكيل وبناء نظرية أردنية في الفكر المحافظ ، تميزها عن المحافظية الغربية ؛ فهي لا تنطلق من الفردانية أو السوق وحدهما ، بل من ثلاثية مترابطة: الدولة الوطنية ، والمجتمع المتماسك ، والهوية الوطنية الأردنية ، باعتبارها ركائز الأمن والاستقرار والتنمية ، وهذه الثلاثية يمكن أن تصبح محورًا فكريًا ثابتًا في أدبيات حزب المحافظين الأردني ، وهذه تشكل اضافة اردنية جديدة للفكر المحافظ تضاف الى ادبيات الفكر المحافظ بشكل عام و الفكر المحافظ الاردني بشكل خاص .
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني