حين يصبح إقصاء الكفاءات وسيلة لحماية الضعف
حسان سلطان المجالي
09-07-2026 10:56 AM
إن من أخطر المؤشرات على تراجع أي مؤسسة هو أن تتحول الكفاءة فيها من قيمة يُحتفى بها إلى تهمة يُعاقب صاحبها عليها ، فالمؤسسات السليمة تبحث عن أصحاب الخبرة ، وتفسح لهم المجال للإبداع والإنجاز ، أما المؤسسات التي تختل فيها المعايير فإنها تبدأ تدريجياً بالتخلص من كل من يذكّرها بحقيقة الخلل القائم فيها ....
ولعل ما نشهده أحياناً من إقصاء للكفاءات في بعض مواقع العمل العام لا يرتبط دائماً بمقتضيات المصلحة أو متطلبات التطوير الإداري ، بل تحكمه اعتبارات أخرى أكثر خطورة ، تبدأ بالأمزجة الشخصية ، وتمر بالمناطقية البغيضة ، ولا تنتهي عند حدود الشللية والمحسوبية والعلاقات الخاصة التي أصبحت لدى البعض بديلاً عن معايير الجدارة والاستحقاق ....
المسؤول الحقيقي لا يخشى الكفاءة ، لأنه يدرك أن نجاح المؤسسة ينعكس على نجاحه ، وبأن وجود أصحاب الخبرة حوله يشكل مصدر قوة له لا تهديداً لموقعه ، أما المسؤول الذي وصل إلى موقعه مدفوعاً باعتبارات لا علاقة لها بالكفاءة ، فإنه ينظر إلى أصحاب الخبرة بعين الريبة ، ويرى في كل صاحب إنجاز هو مشروع مقارنة لا يستطيع تحمل نتائجها ، وفي كل صاحب رأي مستقل شاهداً على قصور لا يريد لأحد أن يراه ....
ولهذا يصبح الإقصاء أداة لحماية الضعف لا لحماية المؤسسة ، ويغدو استبعاد الكفاءات محاولة يائسة لإخفاء الفارق بين من صنع نفسه بالعلم والخبرة والعمل ، ومن صنعته الصدفة أو العلاقات أو مراكز النفوذ ، فالمشكلة لم تكن يوماً في وجود الكفاءة ، بل في وجود المسؤول الذي يشعر بأن الكفاءة تكشفه وتفضح محدودية قدراته أمام الآخرين ...
والمفارقة أن من يمارس هذا النوع من الإقصاء يعتقد أنه حقق انتصاراً شخصياً ، بينما يكون في الحقيقة قد وجه ضربة مباشرة للمؤسسة التي يديرها ، فالمؤسسات لا تنهار بسبب نقص الأنظمة والتعليمات ، بل بسبب تغييب العقول القادرة على تطبيقها وتطويرها ، ولا تتراجع بسبب قلة الموارد فقط ، بل بسبب سيطرة عقلية مسؤول يخشى النقد ، ويرفض المنافسة ، ويضيق بالنجاح إذا لم يكن هو من صنعه ....
إن المسؤول الذي يحيط نفسه بالضعفاء حفاظاً على موقعه لا يبني فريقاً ، بل يبني جداراً يعزله عن الحقيقة ، والذي يستبعد أصحاب الكفاءة خوفاً من حضورهم لا يثبت قوته ، بل يقدم الدليل على هشاشته ، فالثقة بالنفس تدفع إلى استقطاب المتميزين ، أما الخوف والجبن فيدفع إلى محاربتهم ....
لذلك فإن كل صاحب كفاءة تعرض للإقصاء عليه أن يدرك أن ما جرى ليس حكماً على قدراته ، بل حكم على البيئة التي ضاقت به ، وعليه ألا يمنح من أقصاه شعوراً بالانتصار ، لأن الانتصار الحقيقي لا يكون بإبعاد الأكفأ ، بل بالقدرة على منافسته والتفوق عليه وفق معايير عادلة وشفافة ....
وفي النهاية ، فإن التاريخ الإداري والوطني للمؤسسات لا يخلّد أسماء الذين أقصوا الكفاءات ، بل يخلّد أسماء الكفاءات نفسها ، أما أولئك الذين ظنوا أن مواقعهم تُحمى بإبعاد أصحاب الخبرة ، فإنهم يكتشفون متأخرين أن الكفاءة قد غادرت ، لكن آثار غيابها بقيت شاهدة على سوء الإدارة ، وبأن المؤسسة التي تُقصى منها العقول لا تحتاج إلى خصوم في الخارج ، لأن الخطر الأكبر يكون قد استقر في داخلها ...
والله المستعان .
* مستشار قانوني