الدين العام بين العبء والاستثمار
د. حمد الكساسبة
09-07-2026 10:43 PM
اطلعت باهتمام وتقدير على المقال المهم الذي نشره معالي الزميل الدكتور يوسف منصور في صحيفة عمون بتاريخ 8 تموز 2026، بعنوان: “هل الدين العام عبء على الأجيال القادمة أم استثمار في مستقبلها؟”. وقد أثار المقال قضية بالغة الأهمية في النقاش الاقتصادي العام، وهي أن الدين العام لا يجوز أن يُقرأ من زاوية حجمه فقط، بل من زاوية وظيفته، وطبيعة استخدامه، والأثر الذي يتركه في الاقتصاد والمجتمع.
إن أهمية هذا الطرح تنبع من أنه ينقل النقاش من السؤال التقليدي: كم بلغ حجم الدين؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا فعلنا بهذا الدين؟ فالمديونية، في ذاتها، ليست حكماً نهائياً على سلامة السياسة المالية أو خطئها. الحكم الحقيقي يبدأ عندما نعرف ما إذا كان الاقتراض قد ذهب إلى تمويل إنفاق جارٍ يستهلك الموارد، أم إلى بناء أصول إنتاجية ترفع قدرة الاقتصاد على النمو والسداد.
وهنا يصبح التمييز بين الدين المنتج والدين الاستهلاكي مسألة جوهرية في إدارة المالية العامة. فالاقتراض الذي يمول الرواتب، والدعم الاستهلاكي، والنفقات اليومية، يختلف جذرياً عن الاقتراض الذي يمول بنية تحتية، أو طاقة، أو مياهاً، أو نقلاً، أو تعليماً، أو تحولاً رقمياً. الأول يرحّل كلفة الحاضر إلى المستقبل، أما الثاني فيمكن أن يترك للأجيال القادمة أصلاً اقتصادياً يساعدها على الإنتاج، والتشغيل، وتحقيق دخل أعلى.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن يكون النقاش حول الدين العام نقاشاً حسابياً فقط، بل نقاشاً تنموياً أيضاً. فالنسبة إلى الناتج المحلي مهمة، وكلفة خدمة الدين مهمة، ومسار العجز مهم، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم جودة السياسة المالية. فالدولة قد تقترض كثيراً وتبني قليلاً، وقد تقترض بحذر لكنها توجه مواردها إلى مشاريع عالية الأثر. لذلك، فإن معيار الرشد المالي لا يتوقف عند حجم الاقتراض، بل يمتد إلى نوعية العائد الاقتصادي والاجتماعي المتحقق منه.
وتزداد أهمية هذه المسألة في الحالة الأردنية، حيث تعمل الدولة ضمن هوامش مالية ضيقة، وتواجه في الوقت نفسه حاجات تنموية كبيرة. فالأردن لا يملك رفاهية التوسع غير المنضبط في الدين، لكنه لا يملك أيضاً رفاهية تعطيل الاستثمار الضروري بحجة الخوف من الاقتراض. المطلوب هو إدارة أكثر دقة للموارد، بحيث يتم الفصل بوضوح بين إنفاق يستهلك القدرة المالية، واستثمار يوسع القدرة الإنتاجية.
ولعل القاعدة الأهم في هذا السياق هي أن الاقتراض يجب أن يكون مرتبطاً بالأثر. فكل دينار تقترضه الدولة ينبغي أن يخضع لسؤال واضح: هل يرفع الإنتاجية؟ هل يخلق فرص عمل؟ هل يخفض كلفة على الاقتصاد؟ هل يحسن خدمة عامة أساسية؟ هل يزيد قدرة الدولة على تحصيل إيرادات مستقبلية دون زيادة العبء على المواطن؟ إذا كانت الإجابة واضحة وقابلة للقياس، فإن الدين يصبح أقرب إلى الاستثمار. أما إذا غاب الأثر، فإن الدين يتحول إلى عبء مؤجل.
كما أن العدالة بين الأجيال لا تعني فقط ألا نترك ديوناً للمستقبل، بل تعني أيضاً ألا نحرم المستقبل من الاستثمارات الضرورية اليوم. فالجيل القادم لا يرث الالتزامات المالية وحدها، بل يرث كذلك الطرق، والمدارس، والجامعات، والمستشفيات، وشبكات المياه والطاقة، والبنية الرقمية، والمؤسسات التي نبنيها الآن. فإذا كانت هذه الأصول قادرة على توليد النمو وتحسين مستوى المعيشة، فإن جزءاً من الاقتراض يصبح مفهوماً ضمن منطق الاستثمار طويل الأجل.
غير أن هذا لا يعني فتح الباب أمام تبرير كل اقتراض تحت عنوان الاستثمار. فليس كل مشروع رأسمالي مشروعاً منتجاً بالضرورة، وليس كل إنفاق يحمل اسم التنمية يحقق أثراً اقتصادياً حقيقياً. لذلك، فإن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في تصنيف الدين، بل في قياس عائده. فالمطلوب هو موازنات أكثر ارتباطاً بالنتائج، ومشاريع تخضع لدراسات جدوى حقيقية، ومتابعة تقيس ما تحقق فعلياً من نمو وتشغيل وإيرادات.
لقد قدم الكاتب مقالاً مهماً يستحق الشكر، لأنه أعاد فتح النقاش حول الدين العام من زاوية أكثر توازناً وعمقاً. والدرس الأهم الذي يمكن البناء عليه هو أن السؤال المالي في الأردن يجب أن ينتقل من الخوف من الرقم وحده إلى مساءلة الأثر: ماذا بنينا؟ ماذا أضفنا؟ وماذا تركنا للأجيال القادمة؟ فالدين الذي يمول الاستهلاك يضيق المستقبل، أما الدين الذي يمول الإنتاجية فقد يكون أحد جسور العبور إليه.