زيدان الكفافي .. من باطن الأرض إلى ذاكرة الوطن
د. معروف سليمان الربيع
13-07-2026 10:06 AM
ليست كلُّ السير الذاتية جديرةً بأن تُقرأ، لكن بعضها يرتقي إلى مرتبة الوثيقة الفكرية التي تكشف كيف يُصنع العلماء، وكيف تُبنى الأوطان برجالٍ وهبوا أعمارهم لرسالتهم. وهذا ما وجدته في مقال الأستاذ الدكتور زيدان عبدالكافي الكفافي الموسم بعنوان :
عيش في الماضي وتكريم في الحاضر... السعادة في الآثار
إذ لم يكن استذكارًا لمحطات شخصية، بل شهادة صادقة على رحلة عالم كرّس حياته لاستنطاق ذاكرة الوطن المطمورة في طبقات الأرض.
على امتداد أكثر من نصف قرن، تحولت دراسة التاريخ والآثار لدى الكفافي إلى مشروع حياة، فأصبحت اللقى الأثرية بين يديه شواهد علمية أسهمت في إثراء الرواية التاريخية للأردن والمنطقة.
ولا يستوقف القارئ حجم الإنجازات بقدر ما يستوقفه تواضع العالم الحقيقي؛ فهو يرى أن قيمة الآثاري لا تكمن في العثور على القطعة الأثرية، بل في قراءتها بأمانة علمية، بعيدًا عن الأهواء التي قد تشوّه الحقيقة. فالأثر لا ينطق بذاته، وإنما يتحدث بلسان من يفسره، وهنا تتجلى عظمة الباحث ومسؤوليته.
وقد أنصفه التكريم الهاشمي، فوشحه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله، بوسام التميز من الدرجة الثانية، كما نال ثقة سمو الأمير الحسن بن طلال، وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وسمو الأميرة سمية بنت الحسن، وسمو الأميرة دانا فراس، في محطات علمية ووطنية متعددة، تقديرًا لمسيرة علمية أسهمت في ترسيخ مكانة الأردن على خارطة البحث الأثري العالمي.
إن الجامعات أحوج ما تكون إلى نماذج من هذا الطراز؛ علماء لم يسعوا إلى الأضواء، فجاءتهم الأضواء اعترافًا بعطائهم. فالمؤسسات الأكاديمية تُقاس بما تُخرجه من علماء يتركون أثرًا في المعرفة قبل أن يتركوا أسماءهم في السجلات.
لقد قدّم الدكتور زيدان الكفافي علم الآثار رسالةً إنسانية ووطنية، وجعل من كل اكتشاف لبنةً في بناء الوعي التاريخي.
تحية تقدير واعتزاز للدكتور زيدان الكفافي؛ فقد أثبت أن الأثر قد يخرج من باطن الأرض، أما أثر العلماء فيبقى حيًا في العقول والضمائر، تتوارثه الأجيال كما تتوارث الأمم أمجادها.