الحضانة المشتركة بين النص القانوني والمقاصد الشرعية
د. محمود أبو رمان
16-07-2026 11:34 AM
* قراءة إصلاحية في الجدل الدائر حول تطوير أحكام الحضانة في الأردن.
“يقاس نجاح التشريعات الأسرية بقدرتها على حماية الطفل، لا بترجيح كفة أحد الخصوم.”
تشهد الساحة الأردنية في الآونة الأخيرة نقاشًا متزايدًا حول تطوير أحكام الحضانة، ولا سيما ما يتعلق بسن الحضانة، وحقوق المشاهدة والاستضافة، ودور كل من الأب والأم في رعاية الأبناء بعد الانفصال. وقد تعددت الآراء والاجتهادات القانونية والاجتماعية والحقوقية، حتى اختلطت في بعض الأحيان المفاهيم، وأصبح الحوار يدور حول حقوق المتخاصمين أكثر مما يدور حول حقوق الطفل ذاته.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه هذا النقاش نحو الأساس الذي قامت عليه الشريعة الإسلامية، وأكدته التشريعات الحديثة، وهو أن الحضانة ليست امتيازًا لأحد الأبوين، ولا مجالًا للمغالبة بينهما، وإنما هي نظام شرعي وقانوني غايته تحقيق المصلحة الفضلى للمحضون، باعتباره صاحب الحق الأصيل في الرعاية والحماية والاستقرار.
وتأتي هذه القراءة لتطرح رؤية إصلاحية تستند إلى مقاصد الشريعة الإسلامية، وأحكام قانون الأحوال الشخصية الأردني، والاجتهاد القضائي، والتجارب التشريعية المقارنة، إسهامًا في حوار وطني هادئ حول تطوير منظومة الحضانة بما يعزز تماسك الأسرة ويحمي الطفل من آثار النزاعات الأسرية.
الحضانة… أمانة وليست محل نزاع
جاءت الشريعة الإسلامية لحفظ الأسرة، وجعلتها اللبنة الأولى في بناء المجتمع، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.
ومن هذا المنطلق، فإن الأبناء ليسوا محلًا للملكية، ولا غنيمة يتنازع عليها الأبوان بعد الانفصال، ولا وسيلة للضغط أو الانتقام، وإنما هم أمانة أودعها الله في أعناق الوالدين، ومسؤولية شرعية وقانونية وأخلاقية مشتركة، يُسأل عنها الجميع أمام الله ثم أمام القانون.
فالطفل لا يختار الخلاف بين والديه، ولا ينبغي أن يتحمل تبعاته، بل يجب أن تبقى مصلحته الفضلى مقدمة على رغبات الكبار وخصوماتهم.
الإشكالية التشريعية
نظم قانون الأحوال الشخصية الأردني أحكام الحضانة في المواد (170–186)، إلا أن المشرع لم يضع تعريفًا جامعًا للحضانة، واكتفى ببيان شروط مستحقها، ومن أبرزها ما نصت عليه المادة (171/أ) من اشتراط البلوغ والعقل والأمانة والقدرة على التربية والصيانة الدينية والأخلاقية والصحية.
ورغم أهمية هذه الأحكام، فإن غياب تعريف تشريعي واضح للحضانة أدى في التطبيق العملي إلى تضييق مفهومها، حتى أصبحت تُختزل أحيانًا في مكان إقامة الطفل أو في تنظيم المشاهدة، بينما حقيقتها أوسع من ذلك بكثير؛ فهي ولاية للتربية والرعاية والحفظ والتوجيه، ووسيلة لبناء شخصية الطفل وصيانة استقراره النفسي والاجتماعي والديني.
الحضانة في الفقه الإسلامي والاجتهاد القضائي
استقر الفقه الإسلامي على أن الحضانة ولاية للتربية والرعاية، قوامها الشفقة والقدرة، وغايتها حفظ الصغير والقيام بمصالحه حتى يبلغ مرحلة الاستقلال.
كما أكدت المحكمة الدستورية العليا في مصر، في حكمها الصادر بتاريخ 15/5/1993، أن الحضانة ولاية للتربية غايتها الاهتمام بالصغير وضمان رعايته، وأن الأصل فيها مصلحة الطفل، ثم قررت في حكمها الصادر بتاريخ 3/7/1999 أن تنظيم الحضانة وترتيب مستحقيها من المسائل الاجتهادية التي يُرجع فيها إلى المصلحة وظروف الزمان والمكان.
وهذا يؤكد أن وسائل تنظيم الحضانة تقبل التطوير والاجتهاد، ما دام ذلك منضبطًا بمقاصد الشريعة الإسلامية ولا يصادم نصوصها القطعية.
ماذا تقول التشريعات العربية؟
وقد اتجهت عدة تشريعات عربية إلى تعريف الحضانة بصورة صريحة، فجعلها قانون الأسرة الجزائري رعايةً وتعليمًا وحمايةً، وعرّفتها مدونة الأسرة المغربية بأنها حفظٌ للولد والقيام بمصالحه، كما عرّفتها مجلة الأحوال الشخصية التونسية بأنها حفظٌ للولد والقيام بتربيته.
وهذه التشريعات تعكس فهمًا مقاصديًا للحضانة بوصفها مسؤولية متكاملة، وليست مجرد حق في الإقامة أو المشاهدة.
الحضانة المشتركة… اجتهاد يحقق المقصد ولا يصادم النص
إن المقصود بالحضانة المشتركة ليس إلغاء الأحكام الشرعية المتعلقة بترتيب الحضانة، ولا فرض مساواة شكلية بين الأبوين، وإنما تمكين كل من الأب والأم ـ متى كانا صالحين لذلك ـ من الاستمرار في أداء رسالتهما التربوية، والمشاركة في اتخاذ القرارات الجوهرية المتعلقة بالمحضون، كلما كان ذلك محققًا لمصلحته الفضلى وتحت إشراف القضاء الشرعي.
فالطفل يحتاج إلى أمه كما يحتاج إلى أبيه، ويحتاج إلى استمرار حضورهما الإيجابي في حياته، حتى وإن انتهت العلاقة الزوجية بينهما.
ومن هنا، فإن الحضانة المشتركة ليست حقًا للأبوين بقدر ما هي حق للمحضون، لأنها تحفظ حقه في الرعاية المتوازنة، وتحد من النزاعات، وتمنع تحويل الأطفال إلى أدوات للمساومة أو الانتقام.
الرؤية الوطنية والإصلاح القضائي
ينسجم هذا الطرح مع الرؤية الإصلاحية التي يقودها حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، والتي أكدت أن تحديث القضاء والتشريعات يجب أن يواكب احتياجات المجتمع، ويعزز العدالة وسيادة القانون، ويحمي الأسرة بوصفها نواة المجتمع، ويصون حقوق الطفل باعتبارها مسؤولية وطنية مشتركة.
ومن ثم، فإن تطوير أحكام الحضانة لا يمثل خروجًا على الثوابت الشرعية، وإنما هو اجتهاد في الوسائل، ينسجم مع مقاصد الشريعة الإسلامية، ويخدم مشروع التحديث القضائي الذي يوازن بين أصالة التشريع ومتطلبات الواقع.
مقترح تشريعي
وفي إطار مراجعة قانون الأحوال الشخصية، أقترح إضافة مادة جديدة تنص على ما يلي:
المادة (170 مكررة):
الحضانة ولاية شرعية وقانونية، غايتها حفظ المحضون ورعايته وتربيته وتعليمه، وصيانة مصالحه الدينية والنفسية والصحية والاجتماعية، بما يحقق مصلحته الفضلى، وهي مسؤولية مشتركة في أصلها بين الوالدين، يمارسها من تقرره المحكمة وفق أحكام هذا القانون.
وللمحكمة، إذا تبين لها أن ذلك أصلح للمحضون، أن تقرر صورًا من الحضانة المشتركة أو الرعاية المشتركة أو المشاركة في اتخاذ القرارات الجوهرية المتعلقة بالمحضون، بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، وبما يكفل استمرار علاقته المتوازنة بوالديه، ويحفظ استقراره النفسي والأسري.
كما أقترح إضافة مادة تنص على أن:
تعد المصلحة الفضلى للمحضون المعيار الحاكم في جميع قرارات الحضانة والرعاية والمشاهدة والاصطحاب والاستضافة، ولا يجوز استعمال أي حق من الحقوق المقررة قانونًا على وجه يلحق ضررًا بالمحضون أو يجعله وسيلة للضغط أو المساومة أو الإضرار بالطرف الآخر، وللمحكمة اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية الطفل وتحقيق استقراره.
خاتمة
إن مراجعة أحكام الحضانة اليوم ليست دعوة إلى تغيير أحكام الشريعة الإسلامية، وإنما دعوة إلى تفعيل مقاصدها، وإحياء روحها القائمة على الرحمة والعدل، وجعل مصلحة الطفل فوق كل اعتبار.
ومن واقع الخبرة القضائية، فإن كثيرًا من منازعات الحضانة لا يكون سببها قصور النصوص القانونية، بقدر ما يكون سببها غياب ثقافة المسؤولية المشتركة بعد انتهاء العلاقة الزوجية. فالقاضي يستطيع أن يصدر حكمًا، لكنه لا يستطيع أن يزرع المودة بين الأبوين، ولا أن يمحو أثر الخصومة من نفس الطفل. ولذلك فإن تطوير التشريع يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع ترسيخ ثقافة الإصلاح الأسري، حتى يبقى الطفل بمنأى عن النزاعات، وتظل الأسرة – وإن تغير شكلها بعد الانفصال – قادرة على أداء رسالتها في الرعاية والتربية.