facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الاستقطاب الفكري .. حين يصبح أخطر من الصواريخ والمسيّرات!


عميد متقاعد عارف الزبن
26-07-2026 09:03 AM

في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات الإقليمية وتتطور أدوات الصراع، لم تعد الحروب تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل أصبحت معركة الوعي والرأي العام إحدى أخطر ساحات المواجهة. فالصواريخ والمسيّرات قد تُلحق دمارًا بالمباني والمنشآت، وتثير الخوف والقلق بين المواطنين، إلا أن آثارها المادية تبقى قابلة للإصلاح، كما أن قواتنا المسلحة الأردنية/ الجيش العربي، ممثلةً بمنظومات الدفاع الجوي وصقور سلاح الجو، تتصدى لكثير منها بكل كفاءة واقتدار.

أما الاستقطاب الفكري، فهو تهديد أكثر عمقًا وأشد خطرًا، لأنه يستهدف الإنسان قبل البنيان، ويقوّض تماسك المجتمع، ويُضعف الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، ويُرهق الجبهة الداخلية، وقد تمتد تداعياته لسنوات طويلة، لأنه يُربك قدرة الدولة والمجتمع على مواجهة التحديات.

قد كشفت التطورات الإقليمية الأخيرة، وما رافقها من تباين في مواقف بعض الأردنيين تجاه استهداف الأراضي الأردنية بالصواريخ والمسيّرات، عن اتساع دائرة الاستقطاب الفكري والسياسي. وهذه الظاهرة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر، بل بوصفها تحديًا يمس الأمن الوطني عندما تتسع الفجوة بين مكونات المجتمع، ويتحول الاختلاف المشروع إلى انقسام، ويصبح الحوار أكثر صعوبة، فتتقدم الولاءات الفكرية أو الأيديولوجية أو السياسية على الولاء للوطن. وعندئذٍ لا يبقى الخلاف مجرد تباين في الرأي، بل يتحول إلى بيئة خصبة تستغلها الأطراف الساعية إلى إضعاف الجبهة الداخلية، والنيل من تماسك المجتمع وثقته بمؤسساته.

إن الاختلاف في الرأي ظاهرة صحية، بل هو من مظاهر المجتمعات الحيوية، غير أن الخطر يبدأ عندما تضيق المساحات المشتركة التي تجمع المواطنين، فيتراجع الحوار، وتتسع دائرة التخوين والاستقطاب، ويحل التشكيك محل النقاش الموضوعي. وعندها يصبح المجتمع أكثر عرضة لمحاولات التأثير الخارجي، لاسيما في ظل الثورة الرقمية التي جعلت المحطات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي من أبرز أدوات تشكيل الرأي العام وصناعة السرديات. وللأسف، أصبحنا في كثير من الأحيان أسرى لروايات متصارعة تصوغها هذه المنصات، فتتشكل المواقف وفق تأثيراتها المتباينة أكثر من استنادها إلى قراءة وطنية مستقلة ومتوازنة تنطلق من المصلحة الوطنية العليا.

ومن يتابع المشهد يلحظ تعدد القراءات للأحداث الجارية، وهو أمر طبيعي في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك أبعاده السياسية والأمنية. ورغم تباين هذه القراءات، فإن الثابت الذي يجمع الأردنيين جميعًا يجب أن يبقى صون سيادة الأردن، وحماية أمنه واستقراره، وتقديم المصلحة الوطنية العليا على أي اصطفاف سياسي أو أيديولوجي.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الأردن دفع، في محطات عديدة، أثمانًا سياسية واقتصادية واجتماعية نتيجة تعقيدات البيئة الإقليمية، رغم حرصه الدائم على انتهاج سياسات متوازنة تراعي مصالحه الوطنية. ففي حرب الخليج الأولى، تبنى الأردن سياسة هدفت إلى تجنب الانخراط المباشر في الصراع، وقد وصفت بعض التغطيات الإعلامية الغربية، ومنها شبكة CNN، موقف المغفور له الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، بأنه يقوم على الحياد (Neutral). ومع ذلك، لم يحل هذا النهج دون تعرض المملكة لتداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة، كان من أبرزها عودة أعداد كبيرة من الأردنيين من دول الخليج، وما رافق ذلك من تحديات اقتصادية واجتماعية.

وفي هذا السياق، شهدت الحروب الحديثة تحولًا جذريًا مع الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، الأمر الذي أعاد رسم مفاهيم الأمن والدفاع، وفرض على الدول مراجعة استراتيجياتها العسكرية بصورة مستمرة. كما لم تعد القواعد العسكرية التقليدية تتمتع بدرجة الحصانة التي كانت تتمتع بها في السابق، مما دفع العديد من الدول إلى إعادة تقييم انتشار قواتها ومنظوماتها الدفاعية بما يتلاءم مع طبيعة التهديدات المستجدة.

غير أن هذه المتغيرات، على أهميتها، لا تغير من حقيقة أن قوة الدولة لا تُقاس بفاعلية منظوماتها الدفاعية وحدها، بل أيضًا بقدرتها على تحصين مجتمعها من الانقسام، وإدارة التنوع والاختلاف في إطار من المسؤولية الوطنية، بعيدًا عن التحريض، والاستقطاب، والتخوين، والتشكيّك. فالجبهة الداخلية المتماسكة تبقى خط الدفاع الأول في مواجهة مختلف التهديدات، العسكرية منها والفكرية. وهي الركيزة التي تستند إليها قدرة الدولة على الصمود وحماية أمنها واستقرارها.

إن حماية الجبهة الداخلية ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة يتحملها المواطن، والإعلامي، والكاتب، والأكاديمي، وكل صاحب رأي وتأثير. فالكلمة المسؤولة أصبحت اليوم أحد أهم أدوات الأمن الوطني، لأنها تُحصّن الوعي، وتعزز الثقة، وتمنع محاولات بث الفرقة والانقسام داخل المجتمع. فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تمتلك منظومات دفاع متطورة، بل هي أيضًا التي تمتلك مجتمعًا متماسكًا، قادرًا على إدارة تنوعه واختلافاته بالحوار لا بالخصومة، وبالوعي لا بالتحريض، وبالانتماء للوطن لا بالاصطفاف خلف الولاءات الضيقة.

ويبقى الدرس الأهم أن الأوطان لا تُهزم عندما تتعرض لهجمات خارجية بالصواريخ والمسيرات، وإنما عندما تنقسم مجتمعاتها من الداخل، وتفقد قدرتها على التمييز بين الاختلاف المشروع والانقسام المدمر. فالاختلاف في الرأي قيمة حضارية، أما الانقسام الذي يجعل الولاءات الفكرية أو الأيديولوجية أو السياسية تتقدم على الولاء للوطن، فهو الخطر الحقيقي الذي ينبغي الحذر منه.

لذلك، فإن الحفاظ على الوحدة الوطنية، وترسيخ ثقافة الحوار، واحترام التعددية في إطار الثوابت الوطنية، وتقديم المصلحة الوطنية العليا على أي اعتبار آخر، يمثل اليوم خط الدفاع الأول عن الأردن، والضمانة الحقيقية لأمنه واستقراره في مواجهة مختلف التحديات.

فالصواريخ والمسيّرات قد تُلحق أضرارًا بالمباني والمنشآت يمكن احتواؤها وإصلاحها، أما الاستقطاب الفكري فيستهدف الإنسان والوعي، ويهدد تماسك المجتمع، ويستنزف قوة الدولة من الداخل. ولذلك، فإن الخطر الحقيقي ليس ما يسقط من السماء، بل ما يتسلل إلى العقول؛ فالصواريخ قد تُصيب الحجر، أما الاستقطاب الفكري فيُصيب العقول، وإذا انقسمت العقول ضعفت الأوطان.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :