facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




دون كيشوت يحكم في البيت الأبيض .. ترمب يطارد طواحين الهواء ويُعيد رسم خرائط الوهم


محمد قاسم عابورة
28-07-2026 01:00 AM

ماذا لو عاد ميغيل دي سيرفانتس إلى الحياة اليوم ، هل يحتاج إلى كتابة جزء ثانٍ من روايته الخالدة "دون كيشوت "، بالتأكيد لا ، فالفارس الذي خرج قبل أربعة قرون من سهول لا مانتشا ، يمتطي صهوة جواده النحيل ويرتدي درعاً صدئاً، مصوباً رمحه نحو طواحين هواء ظنها عمالقة عاتية، يبدو أن روحه وجدت لها جسداً جديداً تسكنه: لا في الريف الإسباني القاحل، بل في جناح البيت الأبيض . تبدّل الحصان بطائرة الرئاسة، واستُبدل الرمح بمنصة تصريحات وهاتف ذكي ، أما الوهم فبقي على حاله، وإن أصبح هذه المرة قادراً على تحريك الأساطيل والأسواق والجيوش.

كان دون كيشوت يعتقد أنه أُرسل لإنقاذ البشرية من شرور لا وجود لها إلا في مخيلته. أما النسخة الأميركية الترامبية من الفارس، فتبدو مقتنعة بأن العالم بأسره ينتظر توقيعاً، أو تغريدة، أو مؤتمراً صحفياً، حتى يستعيد توازنه ، وكأن التاريخ بدأ يوم دخل ترمب إلى البيت الأبيض، وسينتهي بمجرد مغادرته.

فالنرجسية المقدسة هي المشترك الأول ، والذي لا يمكن تجاوزه بين الفارسين هو ذلك الإيمان المتضخم بالذات، الذي يتعدى حدود الغرور السياسي المعتاد ليبلغ درجة اليقين المطلق بأنهم أصحاب رسالة كونية ، كان دون كيشوت ، يرى نفسه الفارس الوحيد المخوّل لمحاربة الشرور الكامنة في كل زاوية من العالم. أما في العصر الحديث، فقد استعار الرئيس الأميركي ذات العباءة، حيث انه يعتقد بأن الرب دوما يفتخر بأعماله ويباركها ، حتى وصفه أحد المحللين الغربيين بـ"ربكم الأعلى" و"المهيمن الأوحد"، وكأن التاريخ توقف عند إرادته وحده.

كان دون كيشوت يرى نفسه في كل مرآة فارساً لا يُهزم ، أما نظيره المعاصر فيبدو وكأنه يرى في كل شاشة تلفاز زعيماً لا يخطئ. ففي خطابه، تكاد الولايات المتحدة تختزل في شخص الرئيس، وتصبح الإنجازات مرادفة لاسمه، بينما تتحول الإخفاقات إلى مؤامرات يحيكها الآخرون. ويكاد المتابع يظن أن العالم بكل حروبه وأزماته يدور في فلك شخص واحد، وأن الشمس تؤجل شروقها حتى يُعلن الرئيس أنه حقق "أعظم إنجاز في التاريخ" — عبارة تكررت حتى بات يُخيّل للمرء أنها تحتاج إلى حماية قانونية بوصفها علامة تجارية تخضع لحقوق الملكية الفكرية .

إذا كان التشخيص النفسي لدون كيشوت قائماً على جنون العظمة وهوس الاضطهاد، فإن قراءة الخطاب السياسي المعاصر تمنح المراقب شعوراً بأن الهذيان الترمبي أصبح منهجاً سياسيا ،. فقد ذهب أحد المعلقين الأميركيين في مقال بواشنطن بوست إلى القول إن كلا الرجلين "يرى أخطاء متوهمة، وينطلق لتصحيحها، ثم يزعم النصر بعد كل معركة ضد أعداء لا وجود لهم إلا في مخيلته .

ولعل أبرز تجليات هذا الهذيان يكمن في الملف الاقتصادي: اتهام الصين بسرقة ملايين الوظائف الأميركية، متناسياً أن الأرقام الرسمية تكشف عكس ذلك تماماً، لكن يبدو أن الأرقام، مثلها مثل طواحين الهواء، ليست سوى عائق بسيط أمام فارس عازم على إعلان النصر مهما كانت الحقائق . وفي أحد أكثر المشاهد سخافة وبلاغة في آن، كان دون كيشوت يظن أن أذرع الطواحين الدوارة أذرع عمالقة. وفي مشهد معاصر يكاد يكون نسخة طبق الأصل، شنّ الرئيس الأميركي في أحد المنتديات الاقتصادية الدولية هجوماً عنيفاً على توربينات طاقة الرياح، متهماً إياها بقتل الطيور، وإزعاج الحيتان، بل والتسبب بالسرطان. وبهذا يتحول رمح الفارس الإسباني إلى تصريحات نارية، ويصبح البيت الأبيض مسرحاً لمواجهة "عمالقة الطاقة النظيفة"، وكأن العالم كله يترقب فارساً يضرب في كل اتجاه بحثاً عن عدو يليق بمقامه. ولو استمر هذا المنطق قليلاً، فقد نستيقظ ذات صباح على مؤتمر صحفي يُعلن فيه أن الأمطار مؤامرة، وأن الغيوم تعمل لحساب خصوم الولايات المتحدة، وأن دوران الأرض نفسه بات يحتاج إلى إعادة تفاوض.


ولا تقف أوهام الفارس الحديث عند حدود طواحين الهواء، بل تمتد إلى الجغرافيا السياسية نفسها، وكأنها لوحة بانتظار من يعيد تخطيطها. فمن إعادة تدوير فكرة الاستحواذ على جرينلاند وكأنها صفقة عقارية، إلى تهديد كوبا بغزو جديد، مروراً بتصعيد تجاه فنزويلا وخطف رئيسها ونشر خرائط تُلوّن حدودها بألوان العلم الأميركي، وصولاً إلى الحديث عن ضم كندا في حالة من أحلام اليقظة السياسية ، وهنا يبدو المشهد وكأن الكرة الأرضية مجرد مساحة عقارية كبرى يمكن إعادة توزيعها بإشارة يد أو توقيع على ترامبي رئاسي. إنها ذهنية تتعامل مع الخرائط كما يتعامل الطفل مع لعبة تركيب الصور: إذا لم تعجبه قطعة، حاول نقلها إلى مكان آخر، غير آبه بأن الأمم ليست قطع شطرنج، وأن الشعوب لا تُباع ولا تُشترى.

ومن بين أكثر الملفات تجسيداً لهذا النهج، يأتي التصعيد المستمر تجاه إيران. ففي عالم الخطاب السياسي الترامبي ، تبدو الحرب مجرد مشهد استعراضي يُكتب له النصر قبل أن تبدأ المعركة، ويُعلن فيه الانتصار الوهمي مرة بعد أخرى، تماماً كما كان دون كيشوت يلوّح برمحه بعد كل مواجهة مع طواحين الهواء، مقتنعاً بأنه هزم عمالقة الأرض وأنجز فتحاً تاريخياً. فكل تصريح يصبح نصراً، وكل تهديد يتحول إلى ملحمة، وكل جولة إعلامية تُقدَّم باعتبارها لحظة إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط واستعادة الهيبة الأمريكية. لكن الواقع لا يخضع للخطب ولا لعناوين المؤتمرات الصحفية ، فإيران ليست طاحونة هواء يمكن إسقاطها بخطاب متلفز، ولا خصماً يُهزم بإعلان نصر وهمي يتكرر مع كل أزمة. إن أي مواجهة واسعة معها تعني إشعال واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة وتعقيداً، بما يحمله ذلك من احتمالات تمدد الصراع، وتهديد أمن الطاقة العالمي، وجر قوى إقليمية ودولية إلى حرب مفتوحة لا يمكن التنبؤ بمآلاتها، بينما يبقى " الفارس ترمب " منشغلاً بإعلان انتصار جديد، يضاف إلى سلسلة الانتصارات المتخيلة التي لا يراها أحد سواه.
لكن مشكلة الفارس الجديد، شأنه شأن سلفه الإسباني، أنه لا يرى تضاريس الطريق ، فهو يرى فقط "العملاق" الذي ينبغي إسقاطه، أما الجبال والوديان والهاويات الفاصلة بين الرمح والهدف، فتبدو بالنسبة إليه تفاصيل مملة لا تستحق الانتباه. ولعل الأخطر في هذا المنطق أن الحرب تتحول من ضرورة استثنائية إلى مجرد وسيلة لإعادة إنتاج صورة القائد القوي، وكأن الشرق الأوسط ليس إلا مسرحاً ضخماً لإخراج شخصية كرتونية جديد من مسلسلات "الزعيم الذي لا يُقهر".

أمّا في غزة، بدا المشهد أكثر قسوة من أي ملف آخر. فقد جاءت المبراكة الترامبية والدعم السياسي الذي أبداه الرئيس الأميركي للعمليات العسكرية الإسرائيلية منسجماً مع رؤية تضع القوة العسكرية في مقدمة أدوات السياسة، وتتعامل مع الحرب بوصفها الطريق الأقصر لتحقيق الأهداف. وفي الوقت الذي كانت فيه صور الدمار والضحايا تملأ شاشات العالم، طغت لغة الانتصار على لغة المأساة، وكأن الإبادة والخراب مجرد تفصيل صغير في بيان صحفي، أو أن معاناة الشيوخ وأشلاء الأطفال هامش لا يستحق التوقف عنده ، والمفارقة أن التاريخ يعلّمنا دائماً أن القنابل قادرة على تدمير المدن، لكنها لم تنجح يوماً في هزيمة فكرة أو إلغاء قضية. ومع ذلك، يصر بعض الساسة الغرق في مستنقع الوهم والهذيان ، وبأن الرب يبارك أعمالهم .

لقد كانت نهاية دون كيشوت في الرواية مأساوية بقدر ما كانت مطمئنة : عاد إلى قريته مهزوماً، لكنه استعاد رشده في لحظاته الأخيرة، مدركاً أن العمالقة لم يكونوا يوماً سوى طواحين هواء ، أما الفارق الجوهري بينه وبين نظيره في البيت الأبيض، فهو أن رماح الأول كانت تخترق الهواء فحسب، بينما حروب وتصريحات الثاني تحرق البشر وتخترق جدران التحالفات وتُحدث شقوقاً حقيقية في جدار الاستقرار الدولي.

ولعل أكثر ما يثير السخرية في هذا المشهد أن الفارس الحديث لا ينتظر من يكتب له قصيدة مديح ، فهو يتولى هذه المهمة بنفسه، يصفق لإنجازاته قبل أن يصفق له أحد، ويعلن النصر قبل أن تضع المعركة أوزارها، بل ويكتب خاتمة القصة قبل أن يبدأ فصلها الأخير.

غير أن التاريخ ، لا يوزّع جوائزه على أكثر الخطب صخباً، بل على أكثر السياسات حكمة. ويبقى العالم اليوم متفرجاً على مسرحية "فارس لا مانشا الجديد"يتربع عرش البيت الأبيض ، متسائلاً: متى ستسقط هذه الأوهام ؟ وهل ينتهي هذا الفصل كما انتهت رواية سيرفانتس ، باكتشاف الوهم واسترداد الرشد؟ أم أن العالم سيظل يدفع ثمن مغامرات فارسٍ ما يزال يخلط، عن قصد أو غير قصد، بين صناعة السياسة ومطاردة طواحين الهواء؟






  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :