وصلتني هذا الصباح عبر تطبيق "واتساب" صورة أرسلها إليّ صديق عزيز، كُتبت عليها عبارة قصيرة: "ارتفع لترى، لا لتُرى". توقفت أمامها طويلًا؛ لأنها لم تكن بالنسبة إليّ مجرد صورة جميلة أو كلمات عابرة، بل أعادتني إلى أكثر من أربعين عامًا أمضيتها بين الأرض والسماء، فأيقظت في داخلي خاطرةً شعرت أن من واجبي كتابتها.
في الطيران، لا نرتفع لكي يرانا الناس، بل لكي نرى الطريق بوضوح، ونتجاوز العوائق، ونصل بمن ائتمنونا على أرواحهم إلى وجهتهم بأمان. فالطائرة لا تتباهى بارتفاعها، والطيار لا يصعد بحثًا عن التصفيق؛ لأن السماء لا تعترف بالمظاهر، بل تحترم المعرفة والانضباط والتواضع.
كلما ارتفعتُ بالطائرة، رأيت المدن تصغر، والحدود تختفي، والجبال التي تبدو من الأرض عظيمة تتحول إلى تفاصيل في مشهد واسع. عندها كنت أدرك أن كثيرًا من خلافاتنا تكبر فقط لأننا ننظر إليها من مسافة قريبة، وأن الإنسان حين يغيّر زاوية رؤيته قد يكتشف أن ما اعتبره نهاية العالم لم يكن سوى منعطف صغير في الطريق.
لكن الارتفاع الحقيقي لا يكون بالمنصب أو المال أو الشهرة، بل باتساع الوعي. فقد يصل الإنسان إلى أعلى المواقع ويبقى أسيرًا لنفسه، وقد يعيش بسيطًا على الأرض لكنه يرى ما لا يراه أصحاب القمم. ليست القيمة في أن يرفع الناس رؤوسهم لينظروا إليك، بل في أن ترفع أنت بصيرتك لترى آلامهم واحتياجاتهم وحقوقهم.
لقد علمتني السماء أن كل إقلاع يعقبه هبوط، وأن من ينسَ الأرض وهو في الأعلى قد يعجز عن العودة إليها بسلام. لذلك لا تجعل نجاحك حاجزًا يفصلك عن الناس، ولا تجعل المعرفة وسيلةً للتعالي عليهم. ارتفع لكي تتسع رؤيتك، لا لكي يتضخم ظلك، واصعد لتصبح أكثر فهمًا ورحمة، لا أكثر غرورًا وعزلة.
الموعظة: لا تجعل القمة مكانًا يراك الناس فوقه، بل اجعلها نافذة ترى منها الحياة بصورة أوسع. فالارتفاع الذي لا يزيد الإنسان تواضعًا، ليس ارتفاعًا، بل سقوطٌ مؤجل.