الاعلام الرقمي ومعركة السيادة
حسن عبدالحميد الرواشدة
30-07-2026 12:30 PM
لم تعد الأزمة الكبرى التي تواجه المؤسسات الإعلامية تتمثل في إنتاج الخبر أو حتى في الحفاظ على مصداقيته، بل في سؤال أكثر عمقًا وأشد تأثيرًا فمن يملك الطريق إلى الجمهور؟
قد يبدو السؤال تقنيًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة سؤال سياسي واقتصادي واستراتيجي يحدد مستقبل الإعلام نفسه. فالمؤسسة التي لا تملك وسيلة الوصول إلى جمهورها، مهما بلغت مهنيتها أو جودة محتواها، تظل رهينة لقرارات لا تصنعها، وخوارزميات لا تتحكم بها، وشركات تقنية لا تخضع لأولوياتها التحريرية.
خلال العقدين الماضيين، انتقلت وسائل الإعلام من امتلاك منصات النشر إلى الاعتماد على منصات التوزيع. في الماضي، كانت الصحيفة تصل إلى قارئها مباشرة، وكانت القناة التلفزيونية تبث عبر تردداتها، وكان الموقع الإلكتروني يعتمد على جمهور يقصده بإرادته. أما اليوم، فإن جزءًا متزايدًا من الجمهور لا يزور المؤسسة الإخبارية، بل ينتظر أن تقرر خوارزمية في فيسبوك أو يوتيوب أو تيك توك أو محرك بحث أن تعرض له ذلك المحتوى وهنا يكمن التحول الأخطر.
لم تعد العلاقة بين المؤسسة الإعلامية وجمهورها علاقة مباشرة، بل أصبحت تمر عبر وسيط رقمي يملك وحده مفاتيح الوصول. ومع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ظهر وسيط جديد لا يكتفي بتوزيع الأخبار، بل يعيد تلخيصها وإعادة صياغتها، وقد يجيب عن أسئلة المستخدم دون زيارة الموقع الأصلي الذي أنتج المادة الصحفية.
بمعنى آخر، لم تعد المؤسسات الإعلامية تتنافس فقط على إنتاج أفضل محتوى، بل أصبحت تتنافس على فرصة أن يُسمح لذلك المحتوى بأن يُرى.
وهنا بالتحديد يبرز أحد أكبر الالتباسات في صناعة الإعلام الحديثة من يملك الجمهور؟
تمتلك كثير من المؤسسات ملايين المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، لكنها في الواقع لا تمتلك هؤلاء المتابعين بالمعنى الحقيقي. إنها تمتلك حق مخاطبتهم فقط، طالما سمحت الخوارزمية بذلك.
يكفي أن تُعدِّل منصة رقمية طريقة ترتيب المحتوى، أو تمنح أولوية للفيديو على النص، أو ترفع منشورات الأصدقاء على حساب الأخبار، أو تغير آلية الاقتراحات، حتى تتراجع معدلات الوصول بصورة قد تكون حادة، من دون أن تكون المؤسسة قد ارتكبت أي خطأ مهني.
وقد شهد العالم هذا الحال أكثر من مرة فقد غيّرت المنصات الكبرى سياسات توزيع المحتوى الإخباري خلال السنوات الماضية، وأعادت ترتيب أولوياتها بما يخدم نماذج أعمالها، وليس بالضرورة احتياجات المؤسسات الصحفية أو الجمهور.
هذا يعني أن المؤسسة الإعلامية قد تستثمر سنوات في بناء جمهور واسع، لكنها تكتشف في لحظة أن الطريق إلى ذلك الجمهور لا تملكه هي.
ولعل أفضل توصيف لهذه الحالة هو أن كثيرًا من وسائل الإعلام بنت مؤسساتها الرقمية على أرض مستأجرة. فقد شيدت حضورًا قويًا داخل منصات لا تمتلكها، واستثمرت في جمهور لا تتحكم بآلية الوصول إليه، وربطت جزءًا من نموذجها الاقتصادي بقرارات تتخذها شركات تقنية عالمية وفق اعتبارات تجارية خاصة بها.
قد يبدو ذلك استعارة أدبية، لكنها في حقيقتها توصيف دقيق لواقع اقتصادي وإعلامي جديد.
تكشف بيانات تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة صورة واضحة لهذا التحول.
فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو الوسيلة الأكثر استخدامًا للوصول إلى الأخبار عالميًا بنسبة 54%، متجاوزة المواقع الإلكترونية والتطبيقات الخاصة بالمؤسسات الإخبارية (51%) وكذلك التلفزيون (52%).
وفي المقابل، فقدت المواقع الإخبارية وتطبيقاتها نحو 12 نقطة مئوية من معدلات الوصول منذ عام 2021، بينما خسر التلفزيون 13 نقطة خلال الفترة نفسها.
هذه الأرقام لا تعني فقط تغيرًا في عادات الجمهور، بل تعكس انتقال السلطة تدريجيًا من المؤسسات المنتجة للمحتوى إلى المنصات التي تتحكم في توزيعه.
ولذلك لم يعد السؤال الرئيسي من ينتج الخبر؟ بل أصبح من يقرر أي خبر يصل أولًا ولمن وفي أي توقيت؟
في المقابل اعتادت المؤسسات الإعلامية أن تقيس استقلالها بمدى قدرتها على اتخاذ قرارها التحريري بحرية لكن هذا الأمر لم يعد كافيا فالبيئة الرقمية أضافت بعدا جديدا لهذا المفهوم فما قيمة حرية التعبير لدى المؤسسة إذا كانت حرية الوصول مملوكة لغيرك؟!
إن الاستقلال الحقيقي اليوم لا يقاس فقط بحرية كتابة الخبر، بل أيضًا بحرية إيصاله إلى جمهوره فإذا أصبحت قدرة المؤسسة على الوصول مرتبطة بخوارزمية يمكن تعديلها في أي لحظة، فإن جزءًا من استقلالها يصبح مرهونًا بقرار خارجي، حتى وإن بقيت سياساتها التحريرية مستقلة بالكامل.
لهذا السبب، بدأ كثير من الباحثين يتحدثون عن مفهوم جديد يمكن تسميته "السيادة على التوزيع" أي قدرة المؤسسة الإعلامية على الحفاظ على علاقة مباشرة ومستقرة مع جمهورها، بعيدًا عن التقلبات المستمرة في سياسات المنصات.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فإذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد أصبحت وسيطًا بين الإعلام والجمهور، فإن الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة من الوساطة.
فعدد متزايد من المستخدمين بات يحصل على إجابات جاهزة وملخصات للأحداث عبر الذكاء الاصطناعي، من دون أن يفتح الموقع الأصلي أو يشاهد التقرير الكامل.
وهذا يفرض على المؤسسات الإعلامية تحديًا مزدوجًا فهي مطالبة بحماية حقوقها الفكرية من جهة، وبإعادة بناء علاقتها المباشرة مع جمهورها من جهة أخرى.
إن المنافسة لم تعد على إنتاج الخبر فقط، بل على الاحتفاظ بالعلاقة مع المتلقي فهل يكون الحل في مغادرة المنصات؟ الجواب قطعًا لا، فالمنصات الرقمية أصبحت جزءًا أصيلًا من المجال العام، ولا تستطيع أي مؤسسة إعلامية جادة أن تدير ظهرها لها لكن الخطأ يكمن في أن تتحول هذه المنصات من وسيلة للوصول إلى الجمهور، إلى الوسيلة الوحيدة للوصول إليه وهنا يكمن الفارق الجوهري.
ينبغي النظر إلى المنصات بوصفها قنوات اكتساب للجمهور، لا بوصفها المكان النهائي الذي تعيش فيه العلاقة بين المؤسسة والمتلقي.
فالهدف ليس جمع أكبر عدد من الإعجابات أو المشاهدات، وإنما بناء علاقة يمكن للمؤسسة أن تحافظ عليها، حتى لو تغيرت الخوارزميات أو تبدلت أولويات المنصات.
ولهذا تتجه مؤسسات إعلامية عالمية بصورة متزايدة إلى الاستثمار في التطبيقات الخاصة، والنشرات البريدية، والإشعارات المباشرة، وقنوات واتساب، وبرامج العضوية والاشتراكات، والمجتمعات الرقمية الخاصة، باعتبارها أدوات تعيد للمؤسسة شيئًا من ملكية العلاقة مع جمهورها وهي بالمناسبة ليست عودة للماضي، بل استجابة واقعية لتحولات الحاضر.
ربما أخطأت المؤسسات الإعلامية عندما اعتقدت أن زيادة عدد المتابعين تعني بالضرورة زيادة النفوذ فالنفوذ الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يتابعونك داخل منصة، بل بعدد الأشخاص الذين تستطيع الوصول إليهم دون أن يقرر طرف ثالث متى وكيف يحدث ذلك.
وهذا ما يجعل الاستثمار في قنوات الوصول المباشر ليس مشروعًا تقنيًا، بل خيارًا استراتيجيًا يمس الأمن المؤسسي للإعلام واستدامته الاقتصادية واستقلاله التحريري والنتيجة أن امتلاك المحتوى لم يعد أمرا كافيا، بل أصبح من الضرورة امتلاك طريق الوصول الى هذا المحتوى.
دخل الإعلام العصر الرقمي وهو يعتقد أن معركته ستكون على سرعة نشر الخبر، ثم اكتشف أن المعركة الحقيقية تدور حول من يملك بوابة الوصول إلى الجمهور.
لقد منحت المنصات المؤسسات الإعلامية انتشارًا غير مسبوق، لكنها في الوقت ذاته جعلت جزءًا كبيرًا من هذا الانتشار معلقًا بقرارات لا تشارك تلك المؤسسات في صنعها. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب منظومة توزيع المعلومات، تتعاظم الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الاستقلال الإعلامي نفسه.
فالاستقلال اليوم لا يبدأ من غرفة الأخبار فقط، بل يبدأ أيضًا من الطريق الذي يسلكه الخبر حتى يصل إلى الناس.
ومن هنا، فإن الاستثمار في بناء قنوات اتصال مباشرة مع الجمهور لم يعد ترفًا رقميًا، ولا مشروعًا تسويقيًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لكل مؤسسة تريد أن تحافظ على استقلال قرارها، واستدامة نموذجها الاقتصادي، وثقة جمهورها في زمن تتغير فيه قواعد التوزيع أسرع من تغير الأحداث نفسها.