استطلاع "راصد" .. الكفاءة أم الديمقراطية؟
حسن عبدالحميد الرواشدة
03-08-2026 01:47 PM
لم يكن السؤال المطروح في الأردن خلال السنوات الماضية هو ما إذا كانت الديمقراطية هي الطريق الأفضل لإدارة الشأن المحلي. كان النقاش يدور، في معظمه، حول كيفية توسيع المشاركة الشعبية وتعزيز اللامركزية وتوسيع مساحة الانتخاب باعتبارها مدخلًا للإصلاح السياسي.
لكن نتائج دراسة وطنية حديثة أصدرها مركز الحياة – راصد تفرض سؤالًا مختلفًا، وربما أكثر إرباكًا بعنوان هل بدأ المواطن الأردني يعيد ترتيب أولوياته؟ وهل أصبحت الكفاءة في نظره أكثر إلحاحًا من طريقة اختيار المسؤول؟
السؤال يبدو مستفزًا، لكنه يستحق التفكير بعيدًا عن الأحكام المسبقة فالدراسة التي استندت إلى عينة وطنية، أظهرت أن 46% من المستجيبين يفضلون المجالس البلدية المعينة بالكامل، مقابل 39% فقط يفضلون المجالس المنتخبة. كما أيد 52% تعيين رئيس البلدية من الحكومة، مقابل 44% فضلوا انتخابه مباشرة. والأكثر دلالة أن 69% أيدوا استمرار اللجان المعينة خلال المرحلة الانتقالية، فيما رأى أكثر من نصف المستجيبين أن أداء هذه اللجان أفضل من الأداء السابق.
قد يقرأ البعض هذه الأرقام باعتبارها تراجعًا في الإيمان بالديمقراطية، لكن هذا التفسير يبدو متسرعًا فالأرجح أن الدراسة لا تقول إن الأردنيين أصبحوا ضد الانتخابات، بل تقول شيئًا أكثر تعقيدًا يتلخص بأن المواطن لم يعد يقيس شرعية الإدارة المحلية بطريقة وصولها إلى السلطة فقط، بل بقدرتها على تحسين حياته اليومية.
هذه ليست مسألة فلسفية بالنسبة للمواطن، بل في صلب حياته اليومية فحين يخرج من منزله صباحًا، فهو لا يسأل إن كان رئيس البلدية منتخبًا أم معينًا. ما يراه هو نظافة الشارع، وسرعة إصدار الترخيص، وقدرة البلدية على إصلاح حفرة، والاستجابة لشكوى، وإنجاز معاملة دون تأخير أو واسطة.
لهذا السبب ربما لا تبدو نتائج أخرى في الدراسة مفاجئة أيضا فـ82% من المواطنين قالوا إن العمل البلدي يؤثر على حياتهم اليومية، و61% يعتبرون البلدية الجهة الأولى المسؤولة عن تحسين الخدمات، فيما رأى 56% أن مستوى الخدمات تحسن مقارنة بالفترة السابقة، وأشار 65% إلى تحسن النظافة العامة، و63% إلى زيادة الحضور الميداني لكوادر البلديات.
لكن الدراسة تكشف في الوقت نفسه مفارقة لافتة فبينما يشعر المواطن بتحسن نسبي في الخدمات، ما تزال منظومة الشكاوى تمثل نقطة ضعف واضحة إذ إن نصف المواطنين تقريبًا غير راضين عن آليات التعامل معها، و37% من الشكاوى بحسب الدراسة لم تتم الاستجابة لها.
وهنا تظهر الرسالة الحقيقية. المواطن لا يمنح الشرعية لمجرد وجود مؤسسة، بل يمنحها حين يشعر أن هذه المؤسسة تستجيب له.
هذه الفكرة ليست جديدة في علم السياسة. فالعالم السياسي ديفيد إيستون ميّز منذ ستينيات القرن الماضي بين شرعية تستند إلى القيم والمؤسسات، وشرعية تتغذى من مخرجات الأداء. كما عاد فرانسيس فوكوياما في كتاباته حول بناء الدولة ليؤكد أن جودة المؤسسات وقدرتها التنفيذية عنصر أساسي لاستقرار الأنظمة السياسية، وأن الديمقراطية وحدها لا تنتج بالضرورة دولة فعالة، كما أن الكفاءة وحدها لا تكفي لبناء شرعية مستدامة.
وتذهب أدبيات الحوكمة الحديثة، بما فيها تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى أن ثقة المواطنين بالمؤسسات ترتبط بدرجة كبيرة بقدرتها على تقديم خدمات عادلة وفعالة، إلى جانب الشفافية والمساءلة وسيادة القانون.
من هذه الزاوية، تبدو نتائج دراسة راصد جزءًا من نقاش عالمي أوسع، لا حالة استثنائية لكن خصوصية الحالة الأردنية تكمن في عاملين مهمين.. الأول أن تجربة الانتخابات المحلية خلال السنوات الماضية لم تنجح، في نظر كثير من المواطنين، في إحداث التحول الخدمي الذي كانوا ينتظرونه. وهذا لا يعني أن الانتخابات فشلت بوصفها فكرة، بل يعني أن مخرجاتها لم تكن، في حالات كثيرة، بالمستوى الذي يربط فيه المواطن بين صندوق الاقتراع وتحسن حياته اليومية.
أما العامل الثاني، فهو أن الحياة الحزبية ما تزال في طور التشكل. فالأحزاب التي يفترض أن تنقل المنافسة من الأشخاص إلى البرامج، ومن الخدمات الفردية إلى السياسات العامة، لم تصل بعد إلى درجة النضج التي تجعل الناخب يصوت على أساس برنامج بلدي واضح وقابل للمساءلة. وفي غياب هذا التحول، تبقى المنافسة المحلية في كثير من الأحيان محكومة بالاعتبارات الاجتماعية والشخصية أكثر من كونها منافسة بين رؤى تنموية متكاملة.
لكن هنا يجب التوقف عند نقطة في غاية الأهمية فالاستنتاج بأن المواطنين يفضلون الكفاءة اليوم لا يعني أن الديمقراطية فقدت قيمتها، ولا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لاستبعادها فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الكفاءة والديمقراطية ليسا خصمين بالضرورة، بل يصبح كل منهما ناقصًا من دون الآخر.
الإدارة الفعالة التي لا تخضع للمساءلة معرضة مع الزمن للجمود، والديمقراطية التي لا تنتج مؤسسات قادرة على الإنجاز معرضة لفقدان ثقة المواطنين.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: الكفاءة أم الديمقراطية؟
بل كيف نبني مؤسسات تحقق الكفاءة من خلال قواعد ديمقراطية، وتمنح الديمقراطية القدرة على إنتاج نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟ ربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تكشفه دراسة راصد.
فهي لا تعلن انتصار التعيين على الانتخاب، ولا هزيمة الديمقراطية أمام الإدارة، وإنما تشير إلى تحول في أولويات المواطن الأردني. لقد أصبح صندوق الاقتراع، بالنسبة لكثيرين، وسيلة لا غاية.
وأصبحت الشرعية، في نظر المواطن، لا تكتمل يوم الانتخابات، بل تُختبر كل يوم في الشارع، وفي البلدية، وفي سرعة الإنجاز، وفي جودة الخدمة، وفي قدرة المؤسسة على أن تثبت أنها تستحق الثقة التي مُنحت لها.
هذه ليست نهاية النقاش حول الديمقراطية. إنها بداية نقاش أكثر صعوبة حول كيفية جعل الديمقراطية نفسها أكثر قدرة على إنتاج الكفاءة؟