facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الإعلام … حديث المعايير


حسن عبدالحميد الرواشدة
06-08-2026 01:24 PM

ليس أخطر ما يواجه الإعلام الأردني اليوم تراجع الثقة، بل تراجع القدرة على إنتاج نموذج مهني قادر على استعادة هذه الثقة.

فالجدل الدائر منذ سنوات يذهب غالبًا إلى سؤال الحرية فهل المشكلة في اتساعها أم في ضيقها؟ بينما يبدو أن السؤال الحقيقي مختلف تمامًا ويجب أن ينصب على امتلاك الإعلام الأردني اليوم معايير مهنية مشتركة تضبط المنافسة، أم أننا أمام سوق إعلامية فقدت بوصلتها؟

هذه ليست مسألة نظرية فالمتابع الذي يقضي أسبوعًا واحدًا في تصفح عدد من المواقع الإلكترونية وصفحات الأخبار سيجد نفسه أمام مشهد شديد التشظي مليء بأخبار مجهولة المصدر، عناوين صادمة لا تعكس مضمون الخبر، خلط بين الرأي والمعلومة، نقل غير مدقق، اتهامات بلا أدلة، ومنافسة تقوم على سرعة النشر لا على جودة المحتوى.

المفارقة أن هذا كله يحدث في وقت يصعب فيه الادعاء بأن الإعلام الأردني يعيش أدنى سقوف التعبير مقارنة بمراحل سابقة. فمن يتابع حجم النقد الموجه للحكومات، والوزراء، والبرلمان، والأحزاب، والبلديات، ورجال الأعمال، يدرك أن مساحة النقد السياسي والاجتماعي اليوم أوسع بكثير مما كانت عليه قبل عقدين.

وهذا يقود إلى نتيجة مهمة مفادها أن الأزمة الحالية ليست أزمة حرية بالدرجة الأولى وإنما أزمة مهنية.

فالحرية لا تنتج تلقائيًا صحافة جيدة، كما أن غياب القيود لا يصنع إعلامًا مسؤولًا. بين الأمرين توجد منظومة كاملة من القواعد المهنية والأخلاقية التي تمنح الجمهور القدرة على التمييز بين الخبر والدعاية، وبين التحقيق والإشاعة، وبين النقد والتشهير.

لقد شهد العالم هذه الأزمة ربما قبل الأردن ففي تقرير Digital News Report 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، تظهر تراجع الثقة بالأخبار في كثير من الدول، ليس فقط بسبب الاستقطاب السياسي، وإنما أيضًا نتيجة انتشار المحتوى منخفض الجودة، وتأثير خوارزميات المنصات، وصعود صناع المحتوى الذين ينافسون المؤسسات الإعلامية التقليدية على انتباه الجمهور. وتشير الدراسة أيضا إلى أن الجمهور أصبح أكثر انتقائية في اختيار مصادره، وأكثر استعدادًا لمغادرة الوسائل التي تفقد المصداقية، حتى وإن بقي يتعرض لمحتواها عبر المنصات الرقمية.

وهنا تكمن المشكلة الأردنية.

فالسوق الإعلامية المحلية تعيش حالة تشبه ما يسميه الاقتصاديون "فشل السوق" ففي الأسواق الطبيعية يخرج المنتج الرديء تدريجيًا لأن المستهلك يختار الأفضل. أما في الإعلام الرقمي، فإن الخوارزميات تكافئ غالبًا المحتوى الأكثر إثارة لا الأكثر دقة، والأسرع لا الأكثر تحققًا، والأكثر صخبًا لا الأكثر مهنية.

وبذلك يصبح المنتج السيئ قادرًا على تحقيق انتشار وربح يفوق أحيانًا المنتج الجيد وهذه معادلة خطيرة لأنها تجعل المنافسة تدور حول جذب الانتباه، لا بناء الثقة ولهذا فإن اللجوء إلى القضاء، رغم ضرورته في بعض الحالات، لا يمكن أن يكون الحل الرئيسي.

فليس من المنطقي أن تتحول كل مادة صحفية خاطئة إلى دعوى قضائية. فهذا يرهق المحاكم ويستهلك وقت المتضررين ويخلق انطباعًا دائمًا بأن القضاء هو الجهة الوحيدة القادرة على تنظيم المجال الإعلامي. كما أن كثيرًا من الشخصيات العامة تفضّل تجاهل الأخبار الملفقة حتى لا تمنحها قيمة إضافية عبر التقاضي فتظل الإشاعة متداولة بينما يغيب التصحيح.

كما أن العقوبات القانونية تعالج النتائج أكثر مما تعالج الأسباب.

أما النقابات والهيئات التنظيمية وعلى رأسها نقابة الصحفيين فهي تؤدي دورًا مهمًا في حماية المهنة والدفاع عن منتسبيها لكنها ليست لاعبًا قادرًا على قيادة السوق الإعلامية أو إعادة تشكيلها. فهي مؤسسة تنظيمية وتمثيلية أكثر منها مؤسسة تقود المنافسة أو تصنع النماذج الاقتصادية والإعلامية الجديدة. بل إن الانقسامات داخل الوسط الإعلامي تجعل من الصعب أحيانًا تحميلها وحدها مسؤولية إصلاح المشهد.

باعتقادي أن الحل يبدأ من الاعتراف بأن الأزمة ليست قانونية فقط، وليست تنظيمية فقط بل هي أزمة نموذج. فالإعلام لا يُصلح بالقوانين وحدها، وإنما بوجود مؤسسات تحقق نجاحًا اقتصاديًا وجماهيريًا لأنها أكثر مهنية من غيرها.

النموذج الناجح يفرض نفسه على السوق دون الحاجة إلى فرضه بالقانون.

وعندما يثق الجمهور بمؤسسة إعلامية فإنه يعود إليها طوعًا ويمنحها وقته، ويشارك محتواها، ويعتبرها مرجعًا في التحقق. وعندها تبدأ المؤسسات الأخرى بدافع المنافسة في تقليد معاييرها لا لأنها مجبرة بل لأن السوق يكافئ الجودة.

هذا ما حدث في تجارب إعلامية عديدة حول العالم حيث لم تُهزم الصحافة الرديئة بقرارات حكومية بل بهزيمتها أمام نماذج أكثر احترافًا وأكثر قدرة على بناء علاقة طويلة الأمد مع الجمهور.

وفي الأردن، لا يمكن بناء هذا النموذج دون شراكة بين ثلاثة أطراف.

أولها الدولة التي يقع على عاتقها توفير بيئة تنظيمية عادلة وسياسات إعلامية مستقرة وتشجيع المنافسة المهنية بدل الاكتفاء بردود الفعل القانونية.

وثانيها ملّاك المؤسسات الإعلامية الذين عليهم إدراك أن الاستثمار الحقيقي ليس في عدد النقرات بل في بناء علامة إعلامية ذات مصداقية. فالربح السريع الذي تصنعه الإثارة غالبًا ما يقابله فقدان تدريجي لرأس المال فالأهم هو الثقة.

وثالثها الصحفيون أنفسهم، لأن المهنة لا تُختزل في التشريعات، بل في الضمير المهني. فالخبر ليس ما يجذب الانتباه فقط، بل ما يستطيع الصمود أمام التحقق بعد أسبوع أو شهر أو عام.

وفي النهاية لا يبدو أن الأردن يعاني نقصًا في عدد المنصات الإعلامية، بل ربما يعاني وفرتها ولا يعاني نقصًا في حرية النشر بقدر ما يعاني غياب المعايير التي تمنح هذه الحرية معناها.

إن السؤال الذي يجب أن يشغلنا كإعلاميين ليس كيف نمنع الإعلام السيئ؟

بل كيف نجعل الإعلام الجيد أكثر قدرة على الانتصار؟

فحين تنتصر المهنية في السوق تصبح القوانين أقل حضورًا والمحاكم أقل ازدحامًا والإشاعات أقل رواجا ويستعيد الإعلام وظيفته الأصلية المتمثلة بإنتاج المعرفة العامة لا إنتاج الضجيج.

وربما تكون هذه هي المهمة الأكثر إلحاحًا للإعلام الأردني في العقد المقبل بأن ينتقل من الدفاع الدائم عن حرية النشر، إلى الدفاع عن قيمة الحقيقة نفسها. فحرية بلا معايير تتحول تدريجيًا إلى فوضى، أما المعايير من دون حرية فتتحول إلى دعاية. وبين هذين النقيضين فقط يمكن أن يولد إعلام يستحق ثقة الناس.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :