الأردن،، ماذا يبقى لنا من كل هذا العبور؟
د. أميرة يوسف ظاهر
10-08-2026 01:06 AM
في الشرق الأوسط الذي يعاد تشكيله بالحرب واضطراب طرق التجارة والطاقة، يقف الأردن في موقع يشبه السيف ذا الحدين؛ إذ أن جغرافيته تمنحه أهمية استراتيجية نادرة، لكنها تجعله أيضا في قلب ارتدادات أزمات لا يملك قرارها.
من العقبة جنوبا إلى العراق شرقا، وسوريا شمالا، وفلسطين غربا، يبدو الأردن كأنه نقطة تتقاطع عندها خطوط المنطقة كلها.
لكن وسط الحديث عن الممرات اللوجستية والعقدة الإقليمية وسكة الحديد، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: كيف تصل ثمار هذه المشاريع إلى المواطن؟ وكيف يتحول الموقع الجغرافي إلى خبز على مائدته؟
مشروع سكة الحديد مع الإمارات، بقيمة 2.3 مليار دولار، يمثل فرصة استراتيجية مهمة؛ فهو يربط مناطق التعدين بميناء العقبة ويفتح آفاقا أوسع للنقل والتجارة. لكن نجاحه لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأطنان التي ستصل إلى الميناء، بل بعدد الوظائف التي سيخلقها، والصناعات التي ستنشأ حوله، والشركات الأردنية التي ستدخل سلاسل التوريد، والقيمة التي ستبقى داخل الاقتصاد الوطني.
فالمواطن لا يعيش على الممرات، وإنما يعيش على الدخل والعمل والأسعار والخدمات.
وهنا السؤال الحقيقي: كيف ننتقل من الأردن الذي يمر عبره الآخرون، إلى الأردن الذي يستفيد مما يمر عبره؟
إذا عبرت الشاحنات والقطارات أراضينا من دون أن تنشأ حولها مصانع ومخازن ومناطق لوجستية وخدمات وشركات نقل وتأمين وتكنولوجيا، فسنكون مجرد طريق طويل بين نقطتين. أما إذا تحولت العقبة إلى مركز صناعي ولوجستي، وأصبحت معان محطة اقتصادية حقيقية، وربطت السكك بالمناطق الإنتاجية، وحصل الشباب الأردني على نصيب واضح من الوظائف والتدريب والعقود، فعندها تصبح الجغرافيا ثروة وطنية.
وهنا يظهر التحدي الداخلي أيضا: فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى حوكمة عالية، وشفافية في العقود، وسرعة في الإجراءات، وبيئة أعمال تجعل المستثمر قادرا على العمل، والشركة الأردنية قادرة على المنافسة. فقيمة المشروع لا تكتمل بمجرد افتتاحه؛ بل عندما تتحول موارده إلى نشاط اقتصادي مستدام.
والسؤال الآخر أكثر حساسية: كيف نمول هذه النقلة دون أن يتحمل المواطن كلفتها مرتين؛ مرة عبر الضرائب، ومرة عبر ارتفاع الأسعار؟
الإجابة ليست في رفض الاستثمار، بل في اختيار الاستثمار الذي يولد عائدا اقتصاديا يفوق كلفته، وفي توسيع الشراكة مع القطاع الخاص، وربط كل مشروع استراتيجي بمؤشرات واضحة: كم وظيفة؟ كم استثمار؟ كم تصدير؟ وكم دينارا سيبقى في الاقتصاد الأردني؟
هذا أكثر إلحاحا في ظل الضغوط الإقليمية، فقد حافظ الاقتصاد الأردني على قدر من الاستقرار رغم الأزمات، لكن الطاقة والشحن والسياحة ظلت من أكثر القطاعات تأثرا بالصدمات المحيطة.
لذلك لا يكفي أن نقول إن الأردن ممر آمن.
نحن بحاجة إلى أن يصبح ممرا منتجا.
فالأردن ليس دولة صغيرة في منطقة كبيرة؛ إنه دولة صغيرة في نقطة كبيرة. والتحدي ليس أن نستثمر موقعنا ليصبح العالم أكثر راحة في عبوره من الأردن، بل أن نجعل هذا العبور أكثر فائدة للأردني نفسه.
إذا كانت العقبة بوابة، فيجب أن تصل ثمارها إلى عمان ومعان والكرك والمفرق وإربد. وإذا كانت السكة طريقا إلى الميناء، فيجب أن يكون لها طريق آخر إلى جيب المواطن.
عندها فقط يتحول الموقع من عبء جيوسياسي إلى فرصة تنموية. وعندها فقط لا يكون الأردن مجرد نقطة تتقاطع فيها أزمات المنطقة، بل نقطة تتقاطع فيها مصالحها، وتصل ثمارها إلى الأردني حيث يعمل، ويأكل، ويأمل.