facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




تخصصات بأسماء المستقبل .. واقتصاد لا يزال في الماضي


د. صائب الخصاونة
15-08-2026 10:39 AM

حين تُفتح صفحات الجامعات الأردنية على "تخصصات المستقبل"، من الذكاء الاصطناعي إلى النانوتكنولوجي، يميل النقاش العام إلى الاحتفاء بالحدث بوصفه إنجازًا تعليميًا بحد ذاته، بينما يبقى السؤال الأعمق معلّقًا دون إجابة: ماذا نريد أن يفعل هذا الخريج بعد تخرجه؟ فالفكرة التي تستحق أن تُطرح هنا لا تتعلق باستحداث تخصص جامعي جديد، بل تمس جوهر العلاقة بين التعليم العالي وسوق العمل والاستثمار والسياسة الاقتصادية للدولة، وهي علاقة لم تُحسم بعد في التصور الأردني للتنمية.

والمشكلة، في حقيقتها، ليست أن خريج الذكاء الاصطناعي يغادر الأردن بحثًا عن فرصة في الخارج؛ فهذا جزء طبيعي من حركة الاقتصاد العالمي، وقد يتحول نجاحه هناك إلى مكسب لبلده إذا ظلت الروابط العلمية والاقتصادية قائمة معه. المشكلة الحقيقية أن هذا الخريج لا يجد في وطنه البيئة التي تتيح له أن يكون منتجًا لا مستهلكًا، مؤسسًا لا موظفًا، باحثًا يطوّر تكنولوجيا قابلة للتصدير لا مجرد مستخدم لتكنولوجيا صُنعت في مكان آخر.

من هنا تنبثق أسئلة جوهرية لا يمكن تجاوزها. أول هذه الأسئلة: هل تُخطَّط التخصصات الجامعية بناءً على استراتيجية اقتصادية واضحة، أم استجابةً لموضة عالمية وطلب طلابي متزايد؟ فلا يكفي أن يُقال إن الذكاء الاصطناعي هو المستقبل لتُفتح على إثر ذلك أقسام وبرامج جديدة، بل ينبغي أن يُسأل: أين سيعمل هؤلاء الخريجون؟ ومن سيستثمر في طاقاتهم؟ وما الصناعات القادرة على استيعابهم؟ وما المنتجات والخدمات التي يمكن أن يصدّرها الأردن من خلالهم إلى العالم؟

ويقودنا هذا إلى حقيقة ثانية لا تقل أهمية: التخصص وحده لا يصنع اقتصادًا معرفيًا. فبإمكاننا أن نُخرّج آلاف المتخصصين في الذكاء الاصطناعي، لكن ما لم تكن هناك شركات ومختبرات ومراكز بحث وتطوير قادرة على استيعابهم وتوظيف طاقاتهم، فإننا في الواقع لا نبني اقتصادًا وطنيًا، بل ندعم، بكفاءاتنا وجهدنا التعليمي، اقتصادات دول أخرى.

وهنا يبرز دور الاستثمار بوصفه الحلقة الغائبة في كثير من الأحيان. فالسؤال الذي ينبغي أن تطرحه وزارة الاستثمار على نفسها ليس محصورًا في عدد الشركات التي استقطبتها، بل يمتد ليشمل: كم شركة تكنولوجية عالمية أنشأت مراكز بحث وتطوير حقيقية على الأرض الأردنية؟ وكم شركة أردنية ناشئة نمت وترعرعت حول هذه التخصصات الجديدة؟ وكم وظيفة نوعية عالية القيمة استُحدثت بفضلها؟ وكم بلغت قيمة صادراتها الفعلية؟ فبغياب إجابات دقيقة عن هذه الأسئلة، تبقى الأرقام المعلنة عن "استقطاب الاستثمارات" شعارات أكثر منها مؤشرات على أثر اقتصادي حقيقي.

صحيح أن الأردن لا يملك القدرة على منافسة الدول الكبرى في حجم أسواقها أو رؤوس أموالها، غير أنه يملك ما هو أثمن من ذلك: عقولًا مؤهلة، وقاعدة تعليمية واسعة من الخريجين، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا يجعله قريبًا من أسواق المنطقة كافة. والتحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك هذه المزايا، بل في القدرة على تحويلها إلى منظومة اقتصادية متكاملة قائمة على المعرفة والتكنولوجيا، بدلًا من أن تبقى إمكانات معطّلة تنتظر من يستثمرها في مكان آخر.

ولا يكفي، في هذا السياق، أن نكتفي بالأتمتة والتحول الرقمي بوصفهما غاية في ذاتهما. فأتمتة الإجراءات الحكومية وتحويل المعاملات إلى منصات إلكترونية أمر محمود بلا شك، لكنه لا يصنع بالضرورة اقتصادًا قائمًا على الذكاء الاصطناعي؛ ذلك أن الفارق الجوهري يكمن بين استخدام التكنولوجيا واستهلاكها من جهة، وإنتاجها وتصديرها من جهة أخرى، وهو فارق تتوقف عليه في نهاية المطاف هوية الاقتصاد الوطني ومستقبله.

ولعل الأهم من كل ما سبق أن نعيد صياغة السؤال من أساسه. فالسؤال ليس: هل نحتاج إلى تخصص في الذكاء الاصطناعي؟ بل السؤال الأدق: ماذا نريد أن يفعل خريج الذكاء الاصطناعي في الأردن بعد أن ينال شهادته؟ فإذا كانت الإجابة الوحيدة المتاحة أمامه هي الهجرة إلى وظيفة في الخارج أو استكمال دراسته هناك، فعلينا أن نواجه أنفسنا بسؤال أكثر صدقًا: هل نبني منظومة تعليمية لخدمة اقتصادنا الوطني، أم نبني، من حيث لا نقصد، منظومة متقنة لتصدير العقول؟

وهذا يفضي، بدوره، إلى قضية أشمل: هل تملك الدولة الأردنية استراتيجية متكاملة تربط الجامعات بوزارة الاستثمار، ووزارة الاقتصاد الرقمي، والقطاع الخاص، ومراكز البحث العلمي، والحاضنات والمسرّعات التكنولوجية؛ بحيث تتحول التخصصات الجديدة، فعليًا لا شعاريًا، إلى شركات ومنتجات وصادرات وفرص عمل نوعية؟ فما لم توجد هذه الحلقة الرابطة بين أطراف المنظومة جميعها، فسنبقى نفتتح تخصصات تحمل أسماء المستقبل البرّاقة، بينما المستقبل ذاته يُبنى، بأيدي خريجينا وعقولهم، في بلدان أخرى غير بلدهم.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :