facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يتحول الجمهور إلى سلطة فمن يراقب الجمهور؟


حسام الحياري
31-08-2026 08:45 AM

لعل أحد أهم التحولات التي أحدثتها البيئة الرقمية أنها أعادت توزيع السلطة الإعلامية. فقد كسرت شبكات التواصل الاجتماعي احتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية لصناعة الأجندة العامة، فأصبح بإمكان المرء أن يكشف قضية، أو يلفت الانتباه إلى سلوك، أو يطالب مؤسسة بالتوضيح، أو يضع شخصية عامة أمام اختبار الرأي العام. وفي كثير من الحالات أصبحت الشبكات أداة فعالة لكشف ما كان يمكن أن يبقى بعيداً عن اهتمام الإعلام التقليدي.

هنا تحديداً تبدو قيمة شبكات التواصل الاجتماعي وأيضاً المفارقة!

فحين يصبح كل مستخدم قادراً على نشر معلومة وإعادة نشرها والتعليق عليها والدعوة إلى اتخاذ موقف منها، فإن الجمهور لا يعود مجرد متلقٍ للإعلام، وإنما يتحول إلى طرف في عملية الرقابة والمحاسبة المجتمعية.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: حين يتحول الجمهور من متلقٍّ للإعلام إلى جهة رقابة ومحاسبة، فمن يراقب الجمهور نفسه؟

لا يتعلق السؤال بالرغبة في الحد من قدرة الجمهور على التعبير أو إعادة إنتاج احتكار الإعلام التقليدي للمجال العام، فهذه ليست القضية، القضية أن سلطة الجمهور في البيئة الرقمية لا تخضع للقواعد التي تحكم الإعلام.

ففي شبكات التواصل الاجتماعي تنتقل المعلومة من شخص إلى آخر خلال دقائق وتُختصر وتُقتطع من سياقها ويعاد تفسيرها، ثم تصبح النسخة الأكثر تداولاً منها بفعل الخوارزميات هي النسخة الأكثر حضوراً في الوعي العام حتى لو لم تكن بالضرورة الأكثر دقة.

الخطورة هنا ليس في مدى صحة المعلومة الأصلية، فقد تكون صحيحة، وقد يكون السلوك محل الانتقاد خاطئاً، ولكن الخطورة هي في طبيعة الموقف الذي يفرضه الجمهور وحجمه ومدى تناسبه مع الفعل.

فالتفاعل مع قضية ما عبر شبكات التواصل الإجتماعي يمكن أن يتحول إلى شكل من أشكال العقوبة الجماعية غير الرسمية، وقد يؤدي إلى إقصاء أشخاص من المجال العام والعلاقات الاجتماعية العادية، وهو ما يثير إشكالات أخلاقية تتجاوز مجرد ممارسة النقد.

لكن الصورة ليست أحادية الجانب، فالمجتمع يحتاج إلى القدرة على التعبير عن رفضه و لتأكيد معاييره الأخلاقية والاجتماعية. لكن حق المجتمع في الرفض لا يعني بالضرورة حقه في العقوبة غير المحدودة.

فقد يبدأ الأمر بنقد طرحٍ ما، ثم يتحول إلى مطالبة بالاعتذار، ثم إلى حملة تشهير رقمي تستهدف السمعة والحياة الخاصة. وعند هذه النقطة لا يعود السؤال متعلقاً بحرية التعبير وحدها، وإنما يصبح سؤالاً عن التناسب والعدالة والمسؤولية.

وهذا يعيدنا إلى الإعلام.

فالإعلام لا ينبغي أن يكون مكبراً للصوت الأعلى على الشبكات. ولا ينبغي أن يتحول إلى غرفة متابعة لما هو "ترند" ثم يعيد إنتاجه للجمهور بوصفه حقيقة مكتملة.

دوره أن يفعل ما لا تستطيع خوارزميات الانتشار ولا موجات الغضب الجماعي فعله بسهولة. وذلك من خلال التحقق والتحليل وتفكيك السياق وإتاحة حق الرد والتمييز بين المسؤولية الشخصية والحكم الجماعي. أي أن يكون الإعلام حارساً لجودة المعلومات والسياق والتوازن.

فمع استحالة السيطرة على مضمون مواقع التواصل الاجتماعي يظل ممكناً تحجيم مضمونها المدمر برد الاعتبار إلى الإعلام المهني.

والمهنية هنا تعني حتماً مزيداً من الحرية في ظل هذا التحول في بنية السلطة الإعلامية نفسها .

فالسلطة الاعلامية لم تعد مركزية، بل أصبحت سلطة فسيفسائية، وهذا لا يعني أنها عادلة تلقائياً، أو أنها ديمقراطية رقمية في المجال العام.

فالجمهور بات قادراً على أن يحاسب ويشارك برأيه، وهذه حقيقة لا يمكن العودة عنها. لكن هذه القدرة لا تعني بالضرورة امتلاك معايير عادلة للقيام بها.

لذلك ربما تكون القضية الأكثر إلحاحاً في مستقبل الإعلام ليست استعادة احتكار المؤسسات التقليدية للرقابة، ولا إطلاق يد الجمهور بلا قيود، وإنما ببناء منظومة جديدة للمساءلة الرقمية تجمع بين قوة الجمهور في الكشف والاعتراض، وبين مسؤولية الإعلام في التحقق وتفكيك السياق، وبين مسؤولية المنصات في الحد من الأذى، وبين إطار قانوني يحمي حرية التعبير والحقوق الفردية في الوقت نفسه.

المجتمع الرقمي يحتاج إلى ما هو أكثر من حرية التعبير، إنه يحتاج إلى ثقافة ودراية إعلامية. والإعلام يحتاج أن يستعيد وظيفته النقدية والتحقيقية وأن يكون مؤسسة لتنظيم الفضاء العام، لا أن يصبح مجرد مرآة لما تقوله الشبكات.

فالهدف في النهاية ليس أن يصبح الجمهور أقل قوة، بل أن يصبح أكثر مسؤولية وعدلاً عندما يمارس قوته.

فالمجتمع الذي يملك القدرة على المحاسبة لا يصبح أكثر عدلاً لمجرد أنه يستطيع أن يحاسب. إنما يصبح أكثر عدلاً عندما يعرف كيف يحاسب ومتى وبأي حدود ومتى تنتهي المحاسبة. لأننا في نهاية المطاف، لا نحتاج إلى جمهور يخفت صوته، بقدر ما نحتاج إلى جمهور يتثبت قبل أن يدين ويتريث قبل أن يحكم ويعدل حين يحاسب.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :