الأردن لا يحتاج موازنة جديدة .. بل يحتاج إلى كسر قواعد الموازنة
محمد عصام الحوامدة
05-09-2026 09:12 PM
سؤال لا تحبه الحكومات والموازانات التقليدية
ماذا لو كان أكبر خطأ نرتكبه في قراءة موازنة الأردن أننا نقرأها بالطريقة نفسها كل عام؟
إيرادات، نفقات، عجز، منح، اقتراض، فوائد، دين... ثم نعود في العام التالي إلى الأرقام نفسها، نحاول تحسين رقم هنا وتقليل رقم هناك، وكأن المشكلة في حجم الأرقام لا في قواعد اللعبة التي صنعتها.
ربما آن الأوان لأن نطرح السؤال الذي تتجنبه الموازنات التقليدية: ماذا لو كانت الموازنة نفسها، بمنطقها وفلسفتها، هي ما يحتاج إلى تغيير؟
ليس المطلوب تعديل بند، أو تخفيض إنفاق، أو زيادة ضريبة، أو إعادة جدولة دين. المطلوب أعمق من ذلك: تغيير الفلسفة التي تُبنى عليها الموازنة من أساسها.
فالأردن لا يحتاج إلى موازنة تدير العجز فقط؛ بل يحتاج إلى موازنة تدير الثروة.
من "دفتر شيكات" إلى منصة استثمار وطنية
النظرة النقدية الضيقة التي تكتفي برصد ما دخل الخزينة وما خرج منها لم تعد كافية لفهم اقتصاد بحجم التحديات التي يواجهها الأردن.
الدولة التي لا تعرف القيمة الحقيقية لأصولها ستظل ترى نفسها مدينة حتى وهي تملك ثروة لم تُستثمر بعد. والدولة التي لا تقيس العائد الاقتصادي لإنفاقها ستظل تتعامل مع الإنفاق الرأسمالي بوصفه مصروفًا، لا استثمارًا قادرًا على توليد دخل لعقود قادمة.
الانتقال التدريجي نحو نموذج محاسبي استحقاقي شامل - يُظهر ما للدولة وما عليها، وقيمة أصولها، والتزاماتها المستقبلية، وتكلفة كل مشروع طوال عمره الاقتصادي - ليس ترفًا فنيًا، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه أي إدارة مالية حديثة. هذا هو النهج الذي اعتمدته دول عديدة أعادت هيكلة علاقتها بأصولها العامة عبر صناديق ثروة سيادية تدير الأصل بدل أن تكتفي بتسجيله كرقم في دفتر.
الموازنة، إذن، ليست دفتر شيكات للدولة. الموازنة يجب أن تكون منصة استثمار وطنية.
صناديق الاستثمار: شريك جديد في الإنتاج، لا ممول للعجز
من هنا يأتي السؤال الأكثر حساسية: لماذا لا تدخل صناديق الاستثمار إلى قلب الموازنة؟
ليس لتمويل عجز جديد، وليس لشراء مزيد من سندات الحكومة، بل كشريك في إنتاج الإيراد نفسه.
يملك الأردن أراضي، وموانئ، ومناطق تنموية، وطرقًا، وطاقة، ومياه، ومقومات سياحية ولوجستية وصناعية وتكنولوجية. لكن السؤال لم يعد كم أنفقنا عليها، بل: كم تستطيع هذه الأصول أن تنتج؟
تخيل أن تتحول بعض المشاريع الحكومية من بنود في الموازنة إلى محافظ استثمارية وطنية، بحيث:
• تقدّم الحكومة الأرض والتنظيم والبنية الأساسية.
• يقدّم صندوق الاستثمار رأس المال.
• يقدّم القطاع الخاص الإدارة والخبرة التشغيلية.
• وتحصل الدولة على عوائد مستدامة بدلًا من فاتورة جديدة.
هذه ليست خصخصة، وليست بيعًا لأصول الدولة، بل إعادة تدوير للثروة العامة بطريقة تُبقي الملكية والسيادة على الأصل، بينما تُوزَّع المخاطر والعوائد بين الدولة والمستثمر.
عندها يتغير السؤال جذريًا: بدل "كم سيكلف المشروع؟" يصبح السؤال "كم سيولّد المشروع؟" - وهذه الجملة وحدها كافية لتغيير عقلية الموازنة بأكملها.
"موازنة الثروة الوطنية: رقم مواز للموازنة التقليدية"
نحتاج إلى إضافة أداة جديدة إلى جانب الموازنة التقليدية، يمكن تسميتها "موازنة الثروة الوطنية" (National Wealth Budget)، تُظهر بوضوح:• ما تملكه الدولة، وما عليها.
• ما تنتجه أصولها فعليًا.
• ما تكلفه التزاماتها المستقبلية.
• ما يمكن تحويله إلى استثمار، وما يمكن أن يتحول إلى تدفق نقدي مستدام.
عندها لن يقتصر قياس نجاح السياسة المالية على نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي وحدها، بل سنضيف إليها أسئلة أكثر عمقًا:
• كم تبلغ قيمة الأصول المنتجة قياسًا إلى الناتج؟
• كم عائدًا تحقق الأصول الحكومية فعليًا؟
• كم استثمارًا خاصًا جذب كل دينار حكومي؟
• كم وظيفة إنتاجية خلق كل مشروع؟
• وكم دولارًا جديدًا دخل الاقتصاد عبر التصدير؟
هذه هي الأرقام التي يجب أن تدخل غرفة صناعة القرار المالي، لا أن تبقى هامشية في ملاحق فنية لا يقرأها أحد.
هرمز... من تهديد إلى نافذة فرصة
الأردن لا يملك القدرة على التحكم بالجغرافيا السياسية المحيطة به، لكنه يملك القدرة على الاستعداد لها.
فأي اضطراب في مضيق هرمز لا يعني فقط ارتفاع أسعار الطاقة؛ إنه يعني إعادة تسعير شاملة للنقل والتأمين وسلاسل الإمداد والطاقة والصناعة والغذاء في المنطقة بأسرها.
والسؤال الذكي هنا ليس "كيف نحمي الأردن من الصدمة؟"، بل "كيف نجعل الأردن مستفيدًا من إعادة تشكيل خريطة المنطقة؟"
في هذا السياق، يمكن أن يتحول ميناء العقبة إلى جزء من الإجابة، وكذلك مشاريع الطاقة المتجددة، ومنشآت التخزين، والخدمات اللوجستية، والصناعة التحويلية. كما يمكن أن يتطور الربط مع العراق والسعودية من مجرد طرق عبور إلى شبكة اقتصادية إقليمية متكاملة.
هنا بالتحديد يجب أن تعمل الموازنة بمنطق مختلف تمامًا: أن تستثمر قبل وقوع الأزمة، لا أن تدفع ثمنها بعد وقوعها. فإذا كانت المنطقة تعيد رسم طرق التجارة والطاقة، فلماذا لا يعيد الأردن رسم دوره الاقتصادي معها؟
الدين ليس المشكلة... طريقة استخدامه هي المشكلة
ليس كل دين سيئًا بالضرورة. الدين الذي يموّل استهلاكًا متكررًا يتحول مع الوقت إلى عبء صافٍ على الأجيال القادمة. أما الدين الذي يدخل في مشروع إنتاجي قادر على توليد تدفقات نقدية فعلية، فيمكن أن يكون جزءًا من استراتيجية نمو حقيقية، شرط أن يخضع لحوكمة صارمة ودراسة دقيقة للعائد والمخاطر.
لذلك، يجب أن تتوقف الدولة عن التعامل مع الدين باعتباره رقمًا واحدًا جامدًا، وأن تبدأ بتفكيكه إلى فئات واضحة:
• ما الدين الذي يموّل الاستهلاك؟
• وما الدين الذي يموّل الاستثمار؟
• وما الدين الذي يمكن إعادة هيكلته؟
• وما الدين الذي يمكن استبداله برأس مال خاص؟
• وما الدين الذي يمكن خدمته من عوائد أصل منتج بالفعل؟
بهذا التفكيك، ينتقل الملف من مجرد "إدارة دين" (Debt Management) إلى "إدارة ثروة" (Wealth Management) - وهذا هو التحول الحقيقي المطلوب.
الصدمة التي قد تصبح فرصة
الأردن لا يحتاج إلى معجزة مالية، بل إلى قرار: أن يكون لكل دينار في الموازنة وظيفة اقتصادية واضحة ومحددة - أن يحمي الإنسان، أو يبني أصلًا، أو يخفض تكلفة، أو يجذب استثمارًا، أو يزيد إنتاجًا، أو يرفع صادرات. أما الإنفاق الذي لا يحقق أيًا من ذلك، فيجب أن يخضع للمساءلة والمراجعة الدورية دون استثناء.
عندها يمكن الوصول إلى معادلة مختلفة جوهريًا: الدولة لا تقترض لكي تنفق، بل تستثمر لكي تنتج؛ وتنتج لكي تزيد إيراداتها؛ وتزيد إيراداتها لكي تخفض دينها. وبهذا فقط يمكن كسر الحلقة التي ظل الاقتصاد الأردني يدور داخلها منذ سنوات طويلة.
ربما حان الوقت لإنشاء صندوق وطني لتحويل الدين إلى ثروة - لا يكون أداة اقتراض جديدة، بل منصة تجمع الأصول والمشاريع والتدفقات الاستثمارية، وتفتح الباب أمام صناديق الاستثمار العربية والدولية للمشاركة في مشاريع إنتاجية واضحة المعالم والعوائد.
لا نريد بيع الأردن، ولا رهن أصوله. نريد أن نجعل أصول الأردن تعمل لصالح الأردن.
هذا هو الفارق الجوهري بين دولة تحاول النجاة من موازنتها، ودولة تستخدم موازنتها لإعادة بناء اقتصادها.
الخلاصة: تغيير قواعد اللعبة لا حجم الأرقام
في النهاية، القضية ليست هل نستطيع خفض العجز - نستطيع. وليست هل نستطيع رفع الإيرادات - نستطيع أيضًا. السؤال الأكبر والأكثر جوهرية هو: هل نستطيع أن نغير الطريقة التي نصنع بها الموازنة نفسها؟
لأن الأردن إذا استمر في إدارة أرقامه بالمنطق نفسه، سيحصل غالبًا على نتائج تشبه نتائج الماضي. أما إذا غيّر قواعد اللعبة، فقد تبدأ الأرقام نفسها بالعمل لمصلحته.
الأردن لا يحتاج إلى موازنة أكبر؛ يحتاج إلى موازنة تجعل من كل دينار عام نقطة انطلاق لدينار استثماري رقمي جديد.
ومن هنا، قد تبدأ الحكاية الحقيقية: ليس كيف نسدّد دين الأردن، بل كيف نجعل الأردن ينتج الثروة التي تسدد دينه وكيف تكون الموازنة على قياس الشعب وليس على قياس الدولة.