facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يصبح ضعف الإعلام خطراً


حسن عبدالحميد الرواشدة
13-09-2026 11:12 AM

ربما حان الوقت في الأردن لقلب السؤال التقليدي حول الإعلام. فبدلاً من السؤال عن مقدار ما تستطيع الدولة احتماله من حرية الصحافة، ينبغي أن نسأل كم تستطيع الدولة أن تحتمل من ضعف الصحافة؟ وهنا تصبح المسألة أكبر من الإعلام نفسه.

الأردن يعيش اليوم واحدة من أكثر مراحله السياسية والإقليمية حساسية منذ سنوات. من حوله إقليم يعاد تشكيله بالقوة فضلا عن تحولات دولية تعيد تعريف التحالفات وموازين القوة. وفي الداخل، يخوض الأردن تجربة تحديث سياسي يفترض أن تنقل البلاد تدريجياً نحو حياة حزبية أكثر حضوراً وبرلمانا أكثر اعتماداً على البرامج وعندما يكتمل المسار، فنحن نتحدث عن إعادة تشكيل المجال السياسي الأردني نفسه.

وهنا يصبح السؤال أكثر الحاحا فكيف يمكن بناء سياسة جديدة بإعلام قديم.

لا يمكن بناء أحزاب حقيقية من دون مجال عام حقيقي. ولا يمكن مطالبة المواطن بالانتقال من اختيار الأشخاص إلى المفاضلة بين البرامج إذا لم توجد صحافة تفكك هذه البرامج وتختبرها وتسأل أصحابها.

ولا يمكن أن نتطلع مستقبلاً إلى حكومات ذات أساس حزبي ثم نبقي العلاقة بين الحكومة والإعلام محكومة بمنطق الخبر والتصريح والتغطية البروتوكولية وإذا أردنا توسيع السياسة، فعلينا بالضرورة أن نوسع المجال الذي تجري فيه السياسة.

ومن هنا تحديداً ينبغي النظر إلى الإعلام بوصفه جزءاً من البنية السياسية للدولة، لا قطاعاً خدمياً يقف على هامشها.

المشكلة أن هذا يحدث في اللحظة نفسها التي فقد فيها الإعلام التقليدي احتكاره للمجال العام. فالمواطن لا ينتظر اليوم نشرة الأخبار كي يعرف ماذا حدث. هاتفه يفعل ذلك قبل أي وسيلة اعلام. والمنصة التي يستخدمها قد تكون أسرع من مؤسسات الدولة ومن وسائل الإعلام معاً.

والأرقام تكشف حجم التحول. فبحسب تقرير مرصد مصداقية الإعلام الأردني "أكيد"، شهد عام 2025 تداول 1103 إشاعات في الأردن، بمعدل 92 إشاعة شهرياً ونحو ثلاث إشاعات يومياً.

المشكلة في هذا الرقم ليست وجود 1103 معلومات خاطئة فحسب. الأخطر هو البيئة التي أصبح ممكناً فيها أن تنافس الإشاعة الخبر، وأن ينافس الحساب المجهول الصحفي، وأن تصبح الصورة المقتطعة أو الفيديو المصنوع بالذكاء الاصطناعي قادرة على صناعة موقف عام قبل أن تصل المؤسسة الرسمية أو الصحفية إلى روايتها.

هنا يصبح ضعف الإعلام مسألة أمن وطني. فغياب إعلام قوي وموثوق ومستقل يترك الدولة والمجتمع معاً مكشوفين أمام مصادر معلومات لا تخضع لأي معيار مهني ولا تحمل أي مسؤولية تجاه الأردن فالفراغ في المجال العام لا يبقى فراغاً.

إن إضعاف الصحافة الوطنية لا يمنح الدولة سيطرة أكبر على المعلومات، بل قد يمنح مساحة أكبر لمنصات ومصادر خارج مؤسسات الدولة والإعلام معاً.

الدولة تستطيع أن تحاور صحفياً معروفاً ومؤسسة إعلامية مسؤولة، وتستطيع أن تطالبها بالدقة وأن تحاسبها بالقانون إذا أخطأت.

لكنها لا تستطيع أن تفعل الشيء نفسه مع آلاف الحسابات المجهولة، ولا مع خوارزمية موجودة في أي مكان في العالم ولا مع حملة منظمة قد تنطلق من خارج الحدود خلال دقائق.

وبذلك يصبح الإعلام الوطني المهني أحد خطوط الدفاع عن سيادة المجال العام. وهذه المسألة تصبح أكثر أهمية في الأردن تحديداً لأن البلد يعتمد تاريخياً، أكثر من دول كثيرة في الإقليم، على الاستقرار السياسي والاجتماعي والثقة بالمؤسسات باعتبارها جزءاً من قوته.

ولذلك فإن حماية الثقة العامة ليست مسألة علاقات عامة. وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية للإعلام.

حين تقع أزمة أمنية أو اقتصادية أو سياسية، السؤال الأخطر ليس فقط ماذا حدث، بل إلى من سيذهب الأردني لكي يعرف ماذا حدث؟ إذا ذهب إلى مؤسسة إعلامية أردنية يثق بها، فهذه قوة للدولة.

وإذا ذهب إلى حساب مجهول، أو منصة خارجية، أو إشاعة في مجموعة واتساب، فهذه فجوة في سيادة الدولة على مجالها المعلوماتي، مهما كان مصدرها.

من هنا لا يعود الاستثمار في الإعلام المهني ترفاً. يصبح جزءاً من الاستثمار في الاستقرار نفسه. والبديل عن الصحافة غير المنضبطة ليس الصحافة الخائفة. البديل هو الصحافة المهنية.

وهنا تحديداً يمكن للأردن أن يبني نموذجاً مختلفاً في المنطقة، دولة مستقرة لا ترى في الصحافة القوية تهديداً لاستقرارها، وصحافة حرة لا ترى في المسؤولية الوطنية تنازلاً عن حريتها.

والمعادلة نفسها ينبغي أن تنطبق على الإعلام الرسمي والعام. فكلما ازدادت استقلاليته المهنية ازدادت قيمته السياسية للدولة، لا العكس. لأن المشاهد الذي يعتقد أن الوسيلة ستخبره بما حدث حتى عندما يكون الخبر محرجاً للحكومة، سيصدقها عندما تدافع عن موقف الدولة في لحظة أزمة.

أما المؤسسة التي يعتقد الجمهور أنها ستقول الشيء نفسه مهما حدث، فإن قدرتها على الإقناع تتراجع تحديداً عندما تحتاج الدولة إليها أكثر فالمصداقية لا يمكن استدعاؤها وقت الأزمات. إنها رصيد يُبنى قبل الأزمة. وربما هذه هي القضية الأهم كلها.

ولذلك علينا التوقف عن طرح السؤال القديم إلى أي حد تستطيع الدولة أن تمنح الإعلام مساحة؟ السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو العكس فإلى أي حد تستطيع دولة تريد تحديث سياستها، وحماية استقرارها، والحفاظ على ثقة مواطنيها، أن تتحمل إعلاماً ضعيفاً؟

الإجابة، في زمن كهذا، قد تكون ليس كثيراً.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :