facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




أي صورة نريد أن تصل عن الأردن إلى العالم؟


د. خلدون الخريسات
19-09-2026 12:02 PM

بين تقديم الأردن كحضارة وهوية، وتقديمه كوجهة للترفيه فقط

تخيلوا معي هذه المفارقة…

في الوقت الذي يأتي فيه صانع محتوى أردني مثل جو حطاب إلى الأردن، ويحمل كاميرته ليجوب البتراء ووادي رم وقلاع الأردن ومدينة السلط، ويأخذ العالم في جولة داخل التاريخ الأردني وحضارته وتراثه وجماله، تصل مقاطع البتراء التي نشرها إلى أكثر من 13 مليون مشاهدة في يوم واحد.

يقف أمام ملايين الناس ليقول لهم، بالصورة والقصة:

هذا هو الأردن.

هذه البتراء… وهذه حضارتنا.

هذا وادي رم… وهذا تاريخنا.

وهذه قصورنا… وهذا تراثنا… وهذه ذاكرتنا.

ثم انظروا إلى الصورة الأخرى.

آلاف الأشخاص يرتدون اللون نفسه، ويقفون في مكان واحد، ويقفزون ويرقصون ويصرخون خلف مطرب.

مرة أخرى، أنا لا أتحدث عن حرمة الفن، ولا عن حق الإنسان في الترفيه، ولا أريد أن أفرض على أحد ذوقًا أو أسلوب حياة.

أنا أتحدث عن الصورة.

عن الصورة التي تصل إلى من يشاهد الأردن من الخارج.

هل نريد أن نقول للعالم:

تعالوا إلى الأردن…

هنا البتراء، ووادي رم، وجرش، وأم قيس، وقلاع الأردن ومدينة السلط، والحضارة النبطية، والتاريخ العربي، والتراث البدوي، والشعر والأدب والضيافة والهوية؟

أم تصبح الرسالة:

تعالوا إلى الأردن…

ارتدوا اللون الذي تحدده الحفلة، ارقصوا، اقفزوا، وادفعوا مئات الدنانير؟

هنا تكمن المفارقة.

جو حطاب يحمل الكاميرا ليُري العالم ماذا يملك الأردن.

وبعض الفعاليات تحمل المسرح لتُري العالم ماذا يفعل الناس في الحفلات.

والفرق بين الصورتين ليس بسيطًا.

الأولى تقول:

لدينا تاريخ يستحق أن يُكتشف.

والثانية تقول:

لدينا حفلة تستحق أن تُحضر.

والأردن بالتأكيد لا يحتاج إلى الاختيار بين الثقافة والترفيه.

فالفن له مكانه، والترفيه له مكانه، والحفلات جزء من الحياة.

لكن السؤال الذي يستحق أن نسأله بصدق:

هل أصبح الترفيه هو الصورة التي نريد أن تختصر الأردن؟

وهل أصبح بعض شبابنا مستعدين لارتداء أي شيء، واتباع أي صيحة، وتقليد أي «ترند»، فقط لأنه أصبح شائعًا؟

المشكلة ليست في اللون الأبيض.

من أراد أن يرتديه، فذلك حقه.

المشكلة تبدأ عندما يتحول اللون إلى تعليمات جماعية، ويتحول اتباع التعليمات إلى نوع من التقليد الذي لا نناقشه ولا نسأل عنه.

اليوم أبيض.

وغدًا ربما زهري.

وبعده لون آخر.

والسؤال ليس: ما اللون؟

السؤال:

هل ما زلنا نختار بأنفسنا؟

أم أصبحت الموضة والإعلانات والمنصات تختار عنا؟

هل يستطيع الشاب أن يقول:

لا، هذا لا يشبهني.

وهل تستطيع الفتاة أن تقول:

لا، هذا اللباس لا يناسبني.

من دون أن يُنظر إليها وكأنها متخلفة أو بعيدة عن العصر؟

الحداثة ليست أن تقلد كل ما ينتشر.

الحداثة الحقيقية أن تكون قادرًا على الاختيار.

والأهم من ذلك كله أن يعرف الشباب الأردني ما هو الأردن.

أن يعرفوا البتراء، لا باعتبارها مكانًا لالتقاط صورة فقط، بل باعتبارها حضارة.

أن يعرفوا وادي رم، لا باعتباره خلفية جميلة لفيديو، بل باعتباره جزءًا من ذاكرة هذا البلد.

أن يعرفوا جرش وأم قيس وقلاع الأردن ومدينة السلط.

أن يعرفوا تاريخ الأردن، وأدبه، وشعره، وتراثه، وعاداته، وتقاليده.

لأن الأردن ليس مجرد مسرح كبير للحفلات.

الأردن قصة عمرها آلاف السنين.

البتراء ليست مجرد خلفية لصورة.

وادي رم ليس مجرد موقع للتصوير.

قلاع الأردن ومدينة السلط ليس مجرد مبنى جميل.

هذه أجزاء من هوية وطن.

ولهذا، عندما أرى شابًا أردنيًا يذهب إلى حفلة ويرقص، فأنا لا أهاجمه.

هو حر في اختياره.

لكنني أتساءل:

ماذا لو كان لدينا الحماس نفسه الذي نراه في الحفلات تجاه قراءة تاريخ بلدنا؟

ماذا لو كان لدينا الحماس نفسه تجاه الأدب الأردني؟

تجاه شعرائنا ومفكرينا؟

تجاه البتراء وجرش وأم قيس ووادي رم؟

تجاه قصص الأجداد، وعادات المجتمع، وتراث البادية، وتاريخ الدولة الأردنية؟

ربما المشكلة ليست أن شبابنا يحبون الغناء والرقص.

المشكلة أن نخشى أن يصبح هذا كل ما نريده منهم.

فبين شاب يحمل هاتفه ليصور نفسه وهو يقفز على أغنية…

وشاب يحمل الهاتف نفسه ليصور البتراء ويحكي قصتها للعالم…

كلاهما يستخدم التكنولوجيا.

لكن الرسالة مختلفة.

الأول يصنع لحظة.

والثاني يوثق هوية.

الأول قد ينتهي مع انتهاء الأغنية.

أما الثاني، فقد يبقى أثره سنوات.

ولهذا فالسؤال ليس:

هل نريد الفن أم الثقافة؟

بل:

هل نستطيع أن نملك الاثنين، من دون أن تطغى صورة على صورة؟

هل نستطيع أن نكون شعبًا يعرف كيف يرفّه عن نفسه…

وفي الوقت نفسه يعرف ماذا يملك؟

هل نستطيع أن نرقص في حفلة…

ثم في اليوم التالي نزور متحفًا؟

هل نستطيع أن نتابع مغنيًا…

وفي الوقت نفسه نقرأ شاعرًا أردنيًا؟

هل نستطيع أن نعيش العصر…

من دون أن نفقد هويتنا؟

لأن الأردن لا ينبغي أن يُختصر في حفلة.

ولا في لون.

ولا في «ترند».

ولا في أغنية.

الأردن أكبر من ذلك بكثير.

الأردن حضارة، وتاريخ، وإنسان، وتراث، وشعر، وأدب، ومكان، وذاكرة.

والسؤال الذي أتركه لكم ليس عن اللون الأبيض…

بل عن الصورة التي نريد أن نتركها عن الأردن إلى العالم.

هل نريد أن يرى العالم وطنًا له حضارة وتاريخ وثقافة وهوية، يعرف شبابه معنى الأردن وعاداته وتقاليده؟

أم نسمح للصورة العابرة أن تختصر وطنًا كاملًا؟

والله أعلم بما تخبئه لنا الأيام.

المصدر المشار إليه في المقال: وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، حول وصول مقاطع البتراء إلى أكثر من 13 مليون مشاهدة في يوم واحد.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :