"العقبة الرقمية" .. من كلفة الجغرافيا الى عائدها
حسن عبدالحميد الرواشدة
20-09-2026 11:54 AM
ثمة طريقة تقليدية لقراءة موقع الأردن تقول إنه دولة صغيرة تقع في قلب إقليم مضطرب، وثمة طريقة أخرى أكثر طموحًا تقول إن الأردن يقع في واحدة من أكثر البقع قيمة في الإقليم، لكنه لم يستخرج بعد كامل العائد السياسي والاقتصادي من هذه الجغرافيا.
بين القراءتين فرق بين أن تكون الجغرافيا قدرًا تتحمل كلفته، وأن تصبح أصلًا استراتيجيًا تستثمر قيمته ومن هنا تحديدًا ينبغي قراءة مدينة العقبة الرقمية.
المشروع الذي افتتحه ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني في أكتوبر/تشرين الأول 2025 ليس مجرد مركز بيانات ضخم في جنوب الأردن. نحن أمام بنية تحتية يمكن إذا اكتملت حولها سياسة الدولة، أن يصبح الأردن دولة ممرات للطاقة والتجارة والنقل والبيانات معًا.
الفكرة ليست جديدة تمامًا على الأردن. فمنذ تأسيس الدولة كانت الجغرافيا جزءًا أساسيًا من أهميتها السياسية. لكنها دفعت أيضًا ثمن هذا الموقع، الحروب واللجوء وإغلاق الحدود وتعطل طرق التجارة والأزمات الإقليمية انتقلت آثارها مرارًا إلى الداخل الأردني.
أي أن الأردن امتلك الموقع، لكنه كثيرًا ما تحمل كلفته أكثر مما استثمر عائده. غير أن ما يحدث في العقبة يفتح إمكانية مختلفة تتضمن رفع قيمة الكيلومتر الأردني رمزيا.
مدينة العقبة الرقمية تضم أكبر مركز بيانات في المملكة، بمساحة تقارب 17 ألف متر مربع وطاقة تشغيلية تصل إلى 12 ميغاواط، ومهيأ لاستضافة تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتضم أول محطة أردنية لإنزال الكوابل البحرية بسياسة الوصول المفتوح، وثلاثة كوابل بحرية، مع العمل عند افتتاح المشروع على ربط كابلين إضافيين، إضافة إلى أول مركز محايد لتبادل البيانات في الأردن.
هذه تبدو معلومات تقنية، لكنها في الحقيقة معلومات سياسية.
فالعالم لم يعد ترسمه طرق التجارة، وأنابيب النفط، وممرات الملاحة، وحدها. هناك خريطة أخرى تحت البحار وفوق اليابسة تتحرك عبرها البيانات التي يقوم عليها الاقتصاد والمصارف والحكومات، والذكاء الاصطناعي، والأمن، والاتصالات. ومن يمتلك موقعًا داخل هذه الشبكة لا يمتلك كابلًا فقط، بل يمتلك وظيفة في الاقتصاد العالمي.
والسؤال الملح يتضمن قدرة واستطاعة الأردن أن يصبح عقدة رقمية يصعب تجاوزها بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا؟
المؤشرات تجعل السؤال جديًا. البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أعلن في 2026 تمويلًا بقيمة عشرة ملايين دينار لتوسعة مدينة العقبة الرقمية، واصفًا المشروع بأنه محطة رئيسية للكوابل البرية والبحرية التي تربط الأردن بأوروبا والشبكات العالمية.
كابل Coral Bridge يربط الأردن بمصر ومنها بأفريقيا وأوروبا، فيما تستضيف العقبة منظومة Blue-Raman التي تربط أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا. وفي مايو/أيار 2026 وُقعت مذكرة لتوسيع منظومة GreenMed عبر الأردن بهدف تطوير ممر رقمي جديد بين أوروبا وآسيا.
هنا يصبح المشروع جزءًا من الجغرافيا السياسية الأردنية، لا من قطاع الاتصالات فقط.
الدول الصغيرة لا تزيد وزنها بمحاولة تقليد الدول الكبيرة. الأردن لن ينافس دول النفط بحجم الطاقة، ولا الاقتصادات الكبرى بحجم السوق، ولا الدول الأكثر سكانًا بحجم الاستهلاك. لكن الدول الصغيرة تستطيع مضاعفة وزنها عندما تصبح ضرورية داخل شبكات أكبر منها.
وهذه واحدة من أهم قواعد القوة الحديثة تتضمن جعل الاخرين بحاجتك دائما والميناء يفعل ذلك وخط الطاقة يفعله والسكك الحديدية تفعل ذلك والممر الرقمي يفعله أيضًا.
كل شبكة إقليمية تمر بالأردن تضيف طرفًا لديه مصلحة في استقراره. وكل شركة تضع جزءًا من بنيتها الرقمية فيه تضيف مصلحة اقتصادية مرتبطة بأمنه. وكل كابل دولي يعبره يرفع كلفة تجاوزه أو اضطرابه.
هكذا تتحول الجغرافيا من مساحة يجب حمايتها إلى رأس مال سياسي.
وهنا يمكن إعادة التفكير بالعقبة نفسها.
فهي ليست مجرد المنفذ البحري الوحيد للأردن، بل يمكن أن تصبح نقطة تجمع لثلاثة أنواع من الحركة، البضائع والطاقة والبيانات. وإذا أضيف إليها مستقبلًا الربط الحديدي وشبكات النقل الإقليمية، فإن العقبة لن تكون مدينة طرفية في أقصى جنوب المملكة، بل عقدة تربط الداخل الأردني بشبكات إقليمية وعالمية متعددة.
الأحدث في المشروع يضيف بعدًا أكثر حساسية. ففي 15 سبتمبر/أيلول 2026 بدأ في مدينة العقبة الرقمية تشغيل منصة Klstrai، أول منصة متخصصة لحوسبة الذكاء الاصطناعي من نوعها في الأردن، بما يسمح للمؤسسات الحكومية والشركات والمطورين بتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات من داخل المملكة. والخطوة ربطت مباشرة بمفهومي السيادة الرقمية وسيادة البيانات. وهنا تنتقل المسألة من الاقتصاد إلى الأمن الوطني.
امتلاك قدرات محلية لا يعني استقلالًا رقميًا كاملًا، وهو أمر يكاد يكون مستحيلًا في اقتصاد عالمي مترابط، لكنه يعني امتلاك خيارات أكبر وتقليل بعض نقاط الارتهان للخارج.
لكن الخطر هو أن نتعامل مع المشروع باعتباره إنجازًا مكتملًا.
فبناء الممر لا يعني امتلاك قيمته. يمكن للدول أن تكون أراضي عبور، ويمكنها أن تصبح مراكز تنتج حول العبور اقتصادًا كاملًا. الفرق بين الحالتين هو السياسة.
إذا عبرت البيانات الأردن وغادرت، فقد كسبنا موقعًا.
أما إذا استقرت حولها مراكز بيانات وشركات حوسبة سحابية وذكاء اصطناعي وأمن سيبراني وخدمات مالية رقمية وصناعة ألعاب ومحتوى، وتكوّن حولها تعليم وتدريب واستثمار ووظائف نوعية، فنحن عندها لا نبيع العبور، بل نراكم القيمة.
وهذا ما يجب أن تصبح عليه العقبة الرقمية، ليس مشروعًا في العقبة، بل جزءًا من عقيدة اقتصادية أردنية أوسع.
الأردن محدود الموارد الطبيعية، لكنه ليس محدود الموقع. وبين محدودية الموارد وقيمة الموقع يمكن بناء استراتيجية مختلفة تركز على أن يصبح البلد عقدة للنقل والطاقة والتجارة والاتصالات والبيانات، وأن تتكامل هذه الممرات بدل أن تبقى مشاريع منفصلة.
عندها تتغير حتى معادلة السياسة الخارجية. فالدولة التي ترتبط بها مصالح الآخرين لا تستمد أهميتها فقط من موقعها بين الأزمات، وإنما من كلفة غيابها عن الشبكات.
ربما لهذا السبب تستحق مدينة العقبة الرقمية اهتمامًا أكبر بكثير مما أخذته في النقاش العام لأن القصة ليست أن الأردن بنى مركز بيانات، بل إن دولة طالما دفعت كلفة الجغرافيا تحاول أن تتعلم كيف تحصل على عائد الجغرافيا.
وأن العقبة التي كانت بوابة الأردن إلى البحر يمكن أن تصبح بوابته إلى الاقتصاد الرقمي العالمي في عالم يعيد رسم خرائط القوة، هذه ليست مسألة تكنولوجيا فقط.