خطاب الملك في الأمم المتحدة .. الأردن يضع السلام والحق الفلسطيني في صدارة المشهد الدولي
د. فاطمة العقاربة
22-09-2026 07:05 PM
في لحظة دولية شديدة التعقيد، وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، ليحمل إلى المجتمع الدولي صوت الأردن وموقفه الثابت تجاه القضايا التي تمس أمن المنطقة ومستقبلها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، إلى جانب التأكيد على مكانة القدس وضرورة حماية مقدساتها الإسلامية والمسيحية.لم يكن الخطاب الملكي مجرد عرض للموقف الأردني من التطورات الإقليمية، بل جاء في سياق أوسع من المساءلة السياسية والأخلاقية لدور المجتمع الدولي ومؤسساته في التعامل مع الأزمات والحروب، وفي مقدمتها الحرب في غزة.وقد اتسم الخطاب بوضوح الرسالة، وقوة الحضور السياسي، وربط الموقف الأردني بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، مع التأكيد على أن استمرار الأزمات دون حلول سياسية حقيقية يفتح الباب أمام مزيد من عدم الاستقرار والعنف.أعاد جلالة الملك وضع القضية الفلسطينية في مركز الاهتمام الدولي، مؤكداً أن قيام الدولة الفلسطينية ليس مكافأة أو امتيازاً مشروطاً، وإنما حق أصيل للشعب الفلسطيني.وجدد جلالته التأكيد على أن حل الدولتين هو الطريق الذي يمكن أن يقود إلى سلام مستدام، من خلال قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب إسرائيل، وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.وهنا تبرز أهمية الرسالة الأردنية؛ فالأردن لا يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة إنسانية فقط، وإنما باعتبارها قضية سياسية وحقوقية ترتبط مباشرة بأمن المنطقة واستقرارها.
احتلت القدس مساحة محورية في الخطاب، بما يعكس خصوصية الدور الأردني تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة.وأكد جلالة الملك أن الأردن مستمر في حماية الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات، محذراً من أن العبث بهذا الوضع الحساس يمكن أن يؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدود المنطقة.وهذه الرسالة تحمل بعداً استراتيجياً مهماً؛ فالقدس بالنسبة للأردن ليست عنواناً دينياً فحسب، وإنما جزء من منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي، وأي تغيير أحادي الجانب في واقع المدينة أو مقدساتها يمكن أن يفتح الباب أمام صراعات أوسع.اومن أبرز ما حمله الخطاب الإشارة إلى الدور الأردني في الاستجابة الإنسانية في غزة. فالأردن لم يكتفِ بالتعبير عن موقف سياسي تجاه الحرب، وإنما شارك بصورة عملية في إيصال المساعدات الإنسانية والطبية، من خلال القوافل البرية والطواقم الجوية والكوادر الطبية. وكان لافتاً أن جلالة الملك عبّر عن اعتزازه بأبناء القوات المسلحة الأردنية من الرجال والنساء المشاركين في هذه الجهود الإنسانية، وهو ما يبرز أحد أوجه الدور الأردني الذي يجمع بين المسؤولية الوطنية والواجب الإنساني.وبذلك يقدم الأردن نموذجاً في تحويل الموقف السياسي إلى عمل ميداني، خصوصاً في الظروف التي تتطلب استجابة إنسانية عاجلة.
الخطاب الملكي لم يتوقف عند حدود غزة وفلسطين، بل وضع التطورات الإقليمية ضمن إطار أوسع يتعلق باحترام سيادة الدول وعدم السماح بتغيير الحقائق بالقوة.وهذا الموقف يتقاطع مع الثابت الأردني في الدفاع عن سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض توسيع دائرة الصراع في المنطقة.
وقد سبق لجلالة الملك، خلال لقاءاته في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة، أن شدد على ضرورة تكثيف الجهود الدولية لخفض التصعيد ودعم أمن وسيادة دول المنطقة، كما حذر من محاولات فرض وقائع جديدة في القدس والضفة الغربية وغزة. أحد أهم أبعاد الخطاب الملكي هو أنه لم يكتفِ بتوصيف الأزمة، بل طرح أمام المجتمع الدولي سؤالاً جوهرياً حول مدى فاعلية النظام الدولي في منع الحروب وحماية المدنيين وتنفيذ القرارات الدولية.فالخطاب يضع الأمم المتحدة أمام مسؤوليتها التاريخية: هل تبقى القرارات والبيانات في إطار المواقف السياسية، أم تتحول إلى خطوات عملية قادرة على صناعة السلام؟ ومن هنا يمكن قراءة الخطاب باعتباره دعوة إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، ومن الاستجابة المؤقتة إلى بناء مسار سياسي واضح يفضي إلى حل دائم. تكمن قوة الخطاب أيضاً في أنه حافظ على لغة الدولة الأردنية التي تجمع بين الوضوح السياسي والاعتدال الدبلوماسي. فالأردن، لا يطرح نفسه طرفاً في الصراع، وإنما دولة تسعى إلى حماية أمنها الوطني، والدفاع عن القضية الفلسطينية، والحفاظ على القدس ومقدساتها، والمساهمة في تخفيف المعاناة الإنسانية، وفي الوقت نفسه الدفع باتجاه حل سياسي شامل.وهذه المعادلة تعكس طبيعة الدور الأردني في المنطقة؛ دور يقوم على الدبلوماسية، والوساطة، والعمل الإنساني، والتمسك بالقانون الدولي، مع الحفاظ على المصالح الوطنية الأردنية. في ظل اتساع رقعة الأزمات وتداخلها، جاء الخطاب الملكي ليؤكد أن الأردن ما زال يرى في السلام العادل والشامل الطريق الوحيد لتحقيق الأمن المستدام. فالاستقرار، وفق الرسالة التي حملها جلالة الملك، لا يمكن أن يتحقق بالقوة وحدها، ولا يمكن بناء أمن حقيقي في المنطقة مع استمرار الاحتلال والصراع وغياب أفق سياسي واضح. ولهذا عاد جلالة الملك إلى جوهر الموقف الأردني: السلام لا يتحقق بإدامة الصراع، وإنما بإزالة أسبابه، والعدالة شرط أساسي للاستقرار.فإن أهمية الخطاب لا تكمن فقط فيما قيل على منصة الأمم المتحدة، وإنما في الرسالة التي أراد الأردن إيصالها إلى العالم: أن الأمن الحقيقي لا يُبنى على القوة وحدها، وأن السلام المستدام يحتاج إلى عدالة، وأن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تبقى رهينة التأجيل، وأن المنطقة لن تنعم بالاستقرار ما لم تُعالج جذور الصراع وفق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.إنها رسالة الأردن من نيويورك: السلام ليس شعاراً، والعدالة ليست خياراً مؤجلاً، والقدس والقضية الفلسطينية في صميم الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.