الأردن من نيويورك: السلام يبدأ من العدالة
ملاك الكوري
23-09-2026 10:12 AM
شهادة على العصر.. كيف شرّح ملكنا أزمات المنطقة من نيويورك؟
من على المنبر الدولي في نيويورك، لم يأتِ جلالة الملك عبدالله الثاني ليضيف خطاباً آخر إلى أرشيف الخطب السياسية، بل ليضع أمام العالم قراءة أردنية واضحة لمشهد إقليمي بلغ مرحلة لا تحتمل المزيد من التأجيل أو إدارة الأزمات بالمسكنات.
كان خطاباً يحمل في جوهره سؤالاً أكبر من تفاصيل اللحظة: ماذا يحدث عندما يختار المجتمع الدولي إدارة الصراعات بدلاً من معالجة جذورها؟
في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تحدث جلالة الملك من موقع دولة عرفت المنطقة جيداً، وعاشت تداعيات أزماتها، ودفعت كلفة استمرارها، ولذلك لم يكن حديثه عن فلسطين وغزة والضفة الغربية حديثا عن ملفات منفصلة، بل عن منظومة أزمات مترابطة، وعن واقع إقليمي لا يمكن فصله عن جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
الرسالة الملكية كانت واضحة: ما يتجاهله العالم اليوم قد يصبح أزمة أكبر غداً. وما يتم التعامل معه باعتباره مؤقتاً قد يتحول، إذا طال أمده، إلى واقع دائم يصعب تغييره.
وهذا تحديداً ما حدث على مدى سنوات طويلة مع القضية الفلسطينية؛ إذ تحولت إدارة الصراع إلى بديل عن السعي الجاد إلى حله، بينما استمرت الوقائع على الأرض في تغيير شكل القضية وفرض حقائق جديدة.
ومن هنا، فإن الموقف الأردني لا ينظر إلى ما يجري في غزة باعتباره أزمة إنسانية منفصلة عن بقية المشهد، ولا إلى ما يحدث في الضفة الغربية باعتباره تطوراً منفصلاً يمكن احتواؤه ببيانات الإدانة.
فالمشهد الفلسطيني، كما عكسته كلمة جلالة الملك، يحتاج إلى معالجة سياسية حقيقية تحفظ حقوق الشعب الفلسطيني، وتوقف دوامة التهجير والتوسع، وتعيد وضع السلام على أساس واضح يقوم على حل الدولتين، بما يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
لقد تحدث الملك بلغة لا تحتمل الالتباس عن خطورة استمرار الحرب، وعن تداعياتها التي لا تتوقف عند حدود غزة أو الضفة الغربية. فالمنطقة مترابطة، وأي انفجار جديد في مكان منها يمكن أن يترك آثاره على أمن واستقرار المنطقة بأكملها.
أما الأردن، فقد كان حاضراً في الخطاب بوصفه دولة تعرف حدود مسؤوليتها جيداً، لكنها تعرف أيضاً حدود ما يمكن أن تقبله.
أمن المملكة الوطني، وحدودها، ومصالحها، وأمنها المائي، ليست ملفات هامشية في الحسابات الإقليمية، بل ثوابت لا يمكن تجاوزها.
وفي الوقت نفسه، يؤكد الأردن أن التمسك بالدبلوماسية والسلام لا يعني بأي حال التنازل عن الحقوق أو الثوابت، وإنما يمثل خيارا استراتيجيا للدفاع عنها بالوسائل السياسية والقانونية.
وهنا تحديداً تكمن قوة الرسالة الأردنية.
فالأردن لا يتحدث من موقع الرغبة في التصعيد، بل من موقع الإدراك العميق لكلفة التصعيد على شعوب المنطقة. ولا يطرح السلام باعتباره شعارا دبلوماسيا وإنما باعتباره ضرورة سياسية وأمنية وإنسانية، شرط أن يكون سلاماً قائماً على العدالة والحقوق، لا على تأجيل الأزمات وإعادة إنتاجها.
كما أن الحديث عن القدس في الخطاب لم يكن تفصيلاً عابراً.
فالموقف الأردني تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس يستند إلى الوصاية الهاشمية التاريخية، التي يؤكد الأردن استمرارها باعتبارها جزءاً أصيلاً من دوره ومسؤوليته تجاه المدينة المقدسة.
ولعل أكثر ما يلفت في الخطاب الملكي أنه لم يتعامل مع الأزمات باعتبارها أحداثاً منفصلة زمنياً، بل ربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.
فالأزمات التي لا تجد طريقها إلى الحل لا تختفي، وإنما تتراكم، وكل تأجيل للحلول يرفع في النهاية تكلفة التسوية ويجعل الوصول إلى الاستقرار أكثر تعقيداً.
ولهذا فإن خطاب الملك لم يكن موجهاً إلى طرف واحد، بل إلى المجتمع الدولي بأسره.
رسالة تقول إن النظام الدولي لا يستطيع أن يطالب الشعوب بالإيمان بالقانون الدولي، ثم يسمح في الوقت نفسه بأن تتسع الفجوة بين المبادئ المعلنة والوقائع على الأرض.
ولا يمكن الحديث عن نظام دولي عادل إذا أصبحت بعض القضايا تحظى باهتمام مستمر، بينما تُترك قضايا أخرى معلقة لعقود.
لقد وضع جلالة الملك المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتجاوز بيانات التضامن والإدانة، إلى ضرورة الانتقال نحو الفعل السياسي الحقيقي، لأن المنطقة لم تعد تحتمل إدارة الأزمات بالطريقة ذاتها التي أدارت بها خلال العقود الماضية.
والأهم أن الرسالة الأردنية لا تنطلق من قراءة عاطفية للمشهد، رغم عمق البعد الإنساني فيه، وإنما من إدراك سياسي بأن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من دون حل عادل سيبقي المنطقة أمام دائرة متكررة من الحروب والتوترات وعدم الاستقرار.
ومن نيويورك، كان الأردن يقول للعالم إن السلام ليس رفاهية سياسية، وإن العدالة ليست تفصيلاً يمكن تأجيله، وإن الاستقرار لا يمكن أن يبنى فوق واقع غير مستقر.
لقد كان خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني شهادة سياسية على مرحلة مفصلية في تاريخ المنطقة؛ شهادة لا تكتفي بوصف ما يحدث، وإنما تسأل عن المسؤولية، وعن الثمن الذي يدفعه الناس عندما تتحول الأزمات المؤقتة إلى واقع دائم.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتغير فيه موازين القوى، وتتشابك فيه المصالح الدولية والإقليمية، بقي الموقف الأردني واضحاً في جوهره: السلام هو الطريق، لكن السلام الحقيقي لا يمكن أن يكون بديلا عن العدالة، ولا يمكن أن يقوم على تجاهل الحقوق، ولا أن يستمر من دون معالجة جذور الصراع.
وربما كانت الرسالة الأعمق في خطاب الملك أن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الوقت لإدارة الأزمة، بقدر ما يحتاج إلى شجاعة سياسية لمواجهة أسبابها.
فالتاريخ لا يسجل فقط ما قاله القادة في لحظات الأزمات، بل يسجل أيضا ما فعله العالم عندما كان يعرف ما يجب فعله ولم يفعله.
ومن هنا، جاءت كلمة الأردن من نيويورك: واضحة في ثوابتها، هادئة في لغتها، حازمة في رسالتها، ومتصلة برؤية ترى أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يبنى على الأزمات المؤجلة، بل على حلول عادلة تحفظ كرامة الشعوب، وتصون أمن الدول، وتفتح الطريق أمام سلام حقيقي ومستدام.