هاشم غرايبة .. نصف قرن من الإبداع
موسى إبراهيم أبو رياش
28-09-2026 12:35 PM
يصعب الدخول إلى عالم الأديب الأردني الكبير هاشم غرايبة من باب واحد؛ ففي بيته الإبداعي أبواب كثيرة، وربما لكل باب حكاية، ولكل نافذة ذاكرة، ولكل جدار أثر يد أو ظل إنسان مرّ من هناك. وحين نظن أننا وصلنا إلى آخر الغرف، نكتشف أنّ ثمة «الباب السابع» الذي يقودنا إلى فضاء آخر، وأنّ وراء الظاهر دائمًا ما يؤكد أنّ «المخفي أعظم».
منذ بداياته، لم يتعامل غرايبة مع الكتابة باعتبارها مهنة مستقرة، وإنما مغامرة حياة. كان كمن يدخل «بيت الأسرار» وفي يده مصباح صغير، باحثًا عما يختبئ في زوايا النفس والمجتمع والتاريخ، وكانت له «رؤيا» خاصة للإنسان والعالم، ظلّ يختبرها ويُعيد مساءلتها، مرّة بالقصة والرواية، ومرّة بالمسرح، وثالثة بكتاب الطفل، ورابعة بالدراسة والنقد، حتى أصبح من الصعب فصل الكاتب فيه عن القارئ، والمثقف عن الإنسان.
بدأ من «هموم صغيرة»، لكنها لم تكن صغيرة حقًا؛ فالكتابة تعرف أنّ الهم الصغير في حياة إنسان بسيط قد يكون كونًا كاملًا. ثم جاءت «قصص أولى» كخطوات واثقة نحو مشروع سيطول، ويكبر، ويتشعب، حتى يصل إلى «قلب المدينة»، حيث الشوارع والأسواق والوجوه والذاكرة والناس الذين لا يلتفت إليهم التاريخ كثيرًا، لكن الأدب يلتفت إليهم.
ولعل المدينة كانت إحدى غواياته الكبرى؛ ففي «جنة الشهبندر» عاد إلى عمّان الأربعينيات، إلى وسط البلد وأسواقه وتجاره وحكاياته، وجعل من الشهبندر، شيخ التجار، مدخلًا إلى زمن كامل. لم تكن عمّان عنده أبنية وشوارع فحسب، بل ذاكرة بشرية؛ أصوات باعة، وخطوات عابرين، وأبواب دكاكين، وأحلام أناس عاشوا ثم مضوا، وبقي الأدب قادرًا على إعادتهم إلى الحياة.
لكن غرايبة لم يكتف بالحاضر القريب، فمضى أبعد في الزمن، حتى وقف أمام الصخر النبطي مُصغيًا إلى ما خبأته القرون؛ فكتب «بترا: ملحمة العرب الأنباط»، ثم عاد إلى المدينة الوردية في «أوراق معبد الكتبا»، واستحضرها مسرحيًا في «الصرح»، لأنّه رآها نصًا هائلًا مكتوبًا في الحجر، ينتظر من يقرأه ويُعيد إلى الذين حفروه أسماءهم وأحلامهم وأسئلتهم.
ثقوب في الجدار
عرف هاشم غرايبة السجن عبر تجربة عاشها بالجسد والروح والعمر، وحين ضاقت المساحة من حوله، اتسعت داخله مساحات أخرى، لذلك لم يكن غريبًا أن تصبح تجربة السجن نهرًا سريًا يعود في أكثر من عمل.
في «الحياة عبر ثقوب الخزان» ثمة حياة تصر على أن تُرى، حتى لو لم يبق لها سوى ثقب صغير تنظر منه إلى العالم. هناك السجن، ولكن هناك أيضًا الفرح والناس، كأنّ الكاتب يريد القول إنّ السجّان يستطيع أن يُضيّق المكان، لكنه لا يستطيع أن يحتكر معنى الحياة.
ثم جاء «القط الذي علمني الطيران»، بعنوان ينطوي وحده على مفارقة آسرة؛ كيف يمكن لكائن مَنْ كان أن يُعلّم سجينًا الطيران؟ ربما لأنّ الحرية لا تبدأ من القدمين، وإنما من المخيّلة؛ ولأنّ الإنسان قد يكون وراء القضبان، بينما تظل روحه قادرة على اجتياز الأسوار.
وفي «البحار- أنا حي ولا أخاف» نلتقي عالمًا آخر من الحدود والتجارة الفردية والتهريب والاعتقال والتحقيق والزنزانة. و«البحار» هنا لا يحتاج إلى بحر؛ يكفي أن تكون الحدود مياهه المضطربة، وأن تكون المغامرة قاربه، وأن يكون الخوف موجته اليومية. غير أنّ العبارة الملحقة بالعنوان تختصر شيئًا عميقًا من عالم غرايبة نفسه: «أنا حي ولا أخاف».
أما «سنة واحدة تكفي»، فتعود إلى السجن من بوابة السيرة، غير أنّ مَنْ يعرف التجربة يُدرك أنّ سنة واحدة قد تكفي كي يتغيّر الإنسان، لكنها لا تكفي دائمًا كي يروي ما تركته السنوات في الروح. وربما لهذا ظلَّ السجن يظهر ويختفي في كتاباته، كنُدبة لا تؤلم في كل لحظة، لكنها لا تختفي.
وفي «أسامينا» تصبح النصوص مساحة للتأمل في الإنسان والذاكرة والوجود؛ فكأن أسماءنا ليست مجرد كلمات نُنادى بها، بل حكايات صغيرة نحمل فيها شيئًا من ماضينا ووجوه الذين عبروا حياتنا وما تركوه فينا.
عدوى الكلام
لم تكن الكتابة عند غرايبة عزلة عن الناس. على العكس، كان الكلام فعل عدوى؛ ولذلك يبدو عنوان «عدوى الكلام» مُعبرًا عن جانب أساسي من شخصيته الإبداعية والإنسانية. كان يؤمن، بالفعل والممارسة، وبأنّ كلمة واحدة قد تنتقل من إنسان إلى آخر، وأنّ كتابًا يقود إلى كتاب، وأنّ قارئًا يصنع قارئًا، وأنّ كاتبًا يستطيع أن يساعد في ولادة كاتب آخر.
ومن هنا يمكن فهم علاقته بأجيال من المبدعين، ولا سيما في شمال الأردن. لم يقف أمام الشباب بوصفه أستاذًا أو وصيًا، اقترب منهم كمن يعرف ارتباك البدايات، وربما كان يرى في كل واحد منهم «حبة قمح» صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل احتمال سنبلة كاملة.
وهذا جانب لا يظهر في قوائم الكتب والجوائز. هناك هاشم آخر كتبه تلامذته وأصدقاؤه والمبدعون الذين جلس معهم وقرأ نصوصهم وناقش محاولاتهم الأولى. هاشم الذي عرف أنّ الثقافة لا تكبر حين يحتكرها أصحابها ويحجبونها، بل حين يوزعونها ويشاركونها.
وقد تكون «الوقوف على قدم واحدة» صورة مجازية لذلك المبدع الشاب الذي يحاول أن يجد توازنه في أول الطريق؛ يحتاج إلى يد لا تحمله، وإنما تمنعه من السقوط. وهنا كانت أبوة غرايبة الثقافية؛ لم يكن يريد للآخرين أن يكتبوا مثله، بل أن يجد كل منهم صوته الخاص.
وفي «ست الحسن» يعود غرايبة إلى القصة القصيرة، يلتقط من تفاصيل الحياة وشخوصها ما يؤكد أنّ الحكاية قد تختبئ في أكثر الزوايا بساطة، منتظرة عين القاص التي تراها وتمنحها صوتًا.
عالم التحوّلات
في عالم هاشم غرايبة شيء من «المقامة الرملية»؛ كتابة تمشي فوق أرض متحركة، لا تثق كثيرًا بالثبات، لأنّ الرمل نفسه قابل لأن يُعيد تشكيل صورته مع كل ريح، وكذلك الكتابة عنده قصة ورواية ومسرح وسيرة ودراسة ونص للطفل وسيناريو.
وقد يبدو العالم أحيانًا «كان وما زال»، كأنّ شيئًا لا يتغيّر فيه، لكن الكاتب يعرف أنّ خلف السكون تحوّلات عميقة. وثمة دائمًا «السؤال» الذي ينبغي ألا يموت، و«الطريق» الذي لا تكتمل الكتابة من دونه، و«الرائحة» التي تعيد ذاكرة كاملة من مكان مجهول في الروح.
وفي مسرحه تتسع المفارقة والسخرية، فهناك «مصرع مقبول ابن مقبول» بما يحمله الاسم ذاته من لعبة لغوية ودلالة ساخرة، وهناك «الباشا باشا» حيث السلطة واللقب والمفارقة، وهناك «هي وهو والببغاء» بما يفتحه من احتمالات العلاقة والكلام والتكرار، وهناك «تفاحة آدم» التي تعيد الإنسان إلى أسئلته الأولى: الرغبة والخطيئة والمعرفة.
أما «الصرح» فيعيدنا إلى الحجر والتاريخ، فيما يأخذنا «الطريق» إلى سؤال المصير والاختيار. وبين الطريق والصرح والسؤال والرائحة يبدو المسرح عند غرايبة مساحة أخرى لاختبار الإنسان، ووضعه أمام نفسه.
طفل على الأبواب
ولعل أجمل ما في تجربة كاتب خبر السجن والسياسة والصراع الاجتماعي أنّه احتفظ في داخله بمكان للطفل؛ فكتب «غراب أبيض أسود»، وكأنّ العنوان نفسه يدرب الطفل على الشك في المسلمات: هل الغراب أسود دائمًا؟ وهل العالم بهذه البساطة التي نقسم بها الأشياء إلى لونين؟
ثم أطلق في البريّة «غزلان الندى»، وجعل «السمكة الضاحكة» تسبح في ماء المخيّلة، وفتح للصغار «الباب السابع»، وأدخلهم مسرحيًا إلى «الغابة المسحورة» و«الباب المسحور». فالطفولة في عالمه ليست درسًا أخلاقيًا جافًا، وإنما دهشة واكتشاف ومغامرة.
ولم يكتف بالكتابة للأطفال، فقد جعلها موضوعًا للتفكير والدراسة في «الكتابة للأطفال»، ثم اقترب من مناطق أكثر حساسية وجرأة في «الجنس في ثقافة الطفل العربي» و«أوهام سادية وفيتشية في أدب الأطفال العربي».
فالكاتب هنا لا يريد أن يقدم للطفل الحكاية وحسب، وإنما يُسائل الثقافة التي تصنع تلك الحكاية، والصور والقيم والمخاوف التي نمررها إلى الطفل باسم التربية والأدب.
وفي «قصص جداتي الحكيمات» يعود إلى منبع قديم من منابع السرد، منبع الجدات. أولئك النسوة اللواتي لم يحتجن إلى شهادات في تقنيات القص كي يعرفن أين يبدأن الحكاية، ومتى يصمتن، وكيف يتركن الطفل ينتظر ما سيحدث.
ومن ذاكرة الجدات نفسها، أو من جوارها، يمكن أن نطل على «شقائق النعمان»، وعلى ذلك العالم الشعبي الذي ظل حيًا في ذاكرة الكاتب.
على تخوم الغجر
وثمة باب آخر في عالم غرايبة يقود إلى جماعات تعيش على الأطراف، ومن هناك يأتي «ديوان الغجر» مُحملًا بحكايات الغجر في شمال الأردن وقصصهم وأشعارهم وأغانيهم، كأنّ الكاتب يُصغي إلى أصوات لا تصل عادة إلى المتون الكبرى.
ومن العالم نفسه تقريبًا تخرج «يردا شمسا»، الحكاية الغجرية التي توجه بها إلى الفتيان، وهنا يصبح الهامش مركزًا، ويغدو المختلف جديرًا بأن تُروى حكايته، باعتباره إنسانًا له ذاكرته وحبه وألمه وأغنيته.
ولعل ذلك يتصل بجوهر مشروع غرايبة في ميله إلى مَنْ لا يملكون دائمًا حق رواية قصتهم؛ السجين، والطفل، والغجري، والإنسان البسيط، والعابر على الحدود، وأهل المدينة القديمة، وأناس التاريخ الذين تحوّلوا إلى حجارة وآثار. إنّه يبحث عن الإنسان حيث يكون صوته أخفض من أصوات الآخرين.
الكتابة تقرأ الكتابة
ولأنّ المبدع الحقيقي قارئ قبل أن يكون كاتبًا، لم يكتف غرايبة بصناعة الحكاية، بل التفت إلى حكايات الآخرين يقرؤها ويفحصها ويتأملها، فجاء «المخفي أعظم: قراءات ورؤى» ليكشف هذا الوجه النقدي؛ فالنص الأدبي، مثل الإنسان، لا يقول كل شيء في الظاهر، ودور القراءة أن تبحث عما اختبأ بين الكلمات.
وفي «قبس: مختارات من فيض أديب عباسي» يمد يده إلى مَنْ سبقه من أدباء الشمال، وفاءً واعترافًا بالفضل، وينتقي منه قبسًا ويعيده إلى قارئ الحاضر، مؤكدًا أنّ العلاقة ما زالت قائمة ويجب أن تبقى بين أجيال المبدعين.
ولعل «عدوى الكلام» تعود هنا بمعنى آخر: الكتب تتحدث مع الكتب، والنصوص تنجب نصوصًا، والكاتب الذي ظن أنّه يبدأ جملة جديدة يكتشف أحيانًا أنّ وراء كتفه آلاف السنين من الحكايات.
من الورق إلى الشاشة
ولم تتوقف المغامرة عند حدود الصفحة؛ ففي «سراب أزرق» انتقلت المخيّلة إلى السهرة التلفزيونية، فيما خاض غرايبة تجربة تحويل رواية سميحة خريس «شجرة الفهود» إلى سيناريو تلفزيوني، وهذا يتطلب منه أن يرى الكلمات صورًا، والشخصيات أجسادًا وأصواتًا، وأن ينقل عالم كاتب آخر من لغة الرواية إلى لغة الشاشة.
إنها تجربة تكشف مرونة الكاتب واستعداده لعبور الحدود بين الأجناس، مثلما عبر في كتاباته حدود الزمان والمكان.
ما يبقى من الرحلة
حين نجمع هذه العناوين لا نحصل على قائمة كتب، بل على سيرة موازية لرجل. نبدأ من «بيت الأسرار»، تحملنا «رؤيا» إلى «المقامة الرملية»، فنصل إلى «قلب المدينة» و«جنة الشهبندر»، ثم نسافر إلى البترا في «بترا: ملحمة العرب الأنباط» و«أوراق معبد الكتبا» و«الصرح»، وهناك نعرف حقيقة «أسامينا». وفجأة يُغلق الباب، فنجد أنفسنا أمام «الحياة عبر ثقوب الخزان»، ويأتي «القط الذي علمني الطيران» ليقول إنّ الجدار ليس نهاية الطريق، قبل أن يهتف «البحار- أنا حي ولا أخاف».
نخرج من السجن فنكتشف أنّ «سنة واحدة تكفي» لكي يتغيّر الكثير، وأنّ الحياة، مهما ثقلت، تتكوّن في النهاية من «هموم صغيرة» و«قصص أولى» و«حبة قمح». ونصاب بـ«عدوى الكلام»، فنسمع «السؤال»، ونشم «الرائحة»، ونمضي في «الطريق».
وفي مكان ما نجد «غراب أبيض أسود» يحلّق فوق «الغابة المسحورة»، بينما تركض «غزلان الندى» قرب الماء الذي تسبح فيه «السمكة الضاحكة». نفتح «الباب المسحور»، ثم «الباب السابع»، فنلتقي بالسيدة «ست الحسن» لتحكي لنا «قصص جداتي الحكيمات»، ونسمع أغنية بعيدة من «ديوان الغجر»، وتطل علينا «يردا شمسا» من حكايتها.
وفي الزاوية يقف «هي وهو والببغاء»، فيما نتأمل «تفاحة آدم»، ونتساءل عن «مصرع مقبول ابن مقبول»، ونبتسم لمفارقة «الباشا باشا»، ونحاول «الوقوف على قدم واحدة». وحين نظن أننا فهمنا المشهد كله، يهمس غرايبة بأنّ «المخفي أعظم»، ثم يمنحنا «قبس» ضوء كي نواصل البحث.
هناك أيضًا «شقائق النعمان» تنبت في مكان ما من الرحلة، كأنّ الجمال يُصرُّ على الظهور حتى في الأرض التي عرفت القسوة.
ربما لهذا يصعب اختصار هاشم غرايبة في صفة واحدة: روائي، قاص، مسرحي، كاتب طفل، ناقد، كاتب سيناريو، سجين سابق، مثقف، معلّم، مدرب، فني مختبر، صديق، وأب روحي لمبدعين كثيرين. كل صفة صحيحة، لكنها بمفردها ناقصة.
وبعد نصف قرن من الكتابة، لا يعود السؤال: «كم كتابًا كتب هاشم غرايبة؟»، لأنّ السؤال الأجمل: «كم بابًا فتح؟».. فتح بابًا إلى المدينة، وآخر إلى التاريخ، وثالثًا إلى السجن، ورابعًا إلى الطفولة، وخامسًا إلى الهامش، وسادسًا إلى التراث، وأبوابًا كثيرة أمام مبدعين كانوا في بداية الطريق.
ويبقى «الباب السابع» مفتوحًا. ذلك الباب الذي لا يؤدي إلى كتاب بعينه، وإنما إلى هاشم غرايبة نفسه: الإنسان الذي عبر «بيت الأسرار»، ورأى ما وراء «ثقوب الخزان»، وعرف أنّ «المخفي أعظم»، ثم خرج إلى الناس وفي يده «حبة قمح» وفي قلبه شيء من «غزلان الندى»، مؤمنًا بأنّ الكتابة، مهما اشتدت العتمة، تستطيع أن تكون «قبس» نور، وأنّ الإنسان يستطيع، حتى داخل السجن، أن يتعلّم الطيران.