الآن، كل ما يلزم كي تصبح خبيرا إصبع واحدة. إبهام نشيطة تصعد وتهبط على شاشة الهاتف، تلتقط حربا، وانهيارا اقتصاديا، ونصيحة لعلاج الاكتئاب، وتحليلا لسوق النفط، ثم تتوقف عند رجل يشرح مستقبل النظام العالمي في سبع وخمسين ثانية. وبعد نصف ساعة، نرفع رؤوسنا عن الهاتف، وقد ازداد العالم تعقيدا وارتباكا، وازددنا نحن يقينا أننا فهمناه.
هذه الحركة التي صارت من طقوس يومنا تسمى «السكرول»؛ ذلك التمرير المتواصل بالإصبع بين ما لا ينتهي من منشورات وصور وأخبار ومقاطع. حركة صغيرة، لكنها تأخذنا في جلسة واحدة عبر عشرات أو مئات القضايا. والإصبع تمضي، والعين تلتقط، والدماغ يجمع شظايا متناثرة متباعدة غير مترابطة، حتى يتهيأ لنا أننا لم نمر على العالم فقط، وإنما عرفناه حقاً، وعلى رأي الإخوة العراقيين «درخناه».
وهذه واحدة من أكثر حيل السكرول مكرا؛ فهو لا يمنحنا معرفة بقدر ما يمنحنا إحساسا بها. تمر أمام أعيننا الموضوعات ذاتها بأشكال مختلفة، فتغدو مألوفة، وما إن تألفها أدمغتنا حتى نخلط بين ما رأيناه كثيرا وما عرفناه حقا. نقرأ العنوان، ونسمع نصف دقيقة من خبير، ثم تعيد الخوارزمية الفكرة إلينا بوجه آخر، حتى نشعر أننا سكنا الموضوع زمنا، مع أننا مررنا قرب بابه.
وهنا ينبت وهم المعرفة. الإنسان الذي كان يحتاج كتابا ووقتا كي يقترب من مسألة، صار يتلقى مئات الشذرات من عشرات الحقول. لا شيء يكتمل، لكن كل شيء يترك أثرا، وحين تتراكم الآثار يتهيأ لنا أنها معرفة؛ كأننا نجمع فتات موائد كثيرة، ثم ننصب أنفسنا طهاة.
والأدهى أن المشاركة نفسها أصبحت جزءا من ذلك الوهم. نعيد إرسال مقال لم نقرأه، ونشارك دراسة لم نتجاوز عنوانها، ونعلق على فيديو لم نشاهد بدايته، ثم نشعر أن ما مرَّ عبر حسابنا صار جزءا من معرفتنا. وقد وجدت دراسات أن المشاركة، حتى من دون قراءة، قد تضخم شعور الإنسان بأنه يعرف.
ومن هنا يولد خبراء الشاشة بالجملة وبانفلاش غير المحسوب. واحد يحسم موعد نهاية حرب، وآخر يحل أزمة اقتصاد، وثالث يعالج اضطرابا نفسيا بنصيحة. وفي علم النفس تفسير يعرف بـ» تأثير دانينغ-كروغر»: قد تدفع قلة المعرفة إلى ثقة زائدة، لأنه لا يمتلك من المعرفة ما يكفي ليعرف حجم ما يجهل. ولهذا يتردد الخبير الحقيقي، فيما يقفز قليل الخبرة إلى الجواب قبل أن ينتهي السؤال.
وللسوشيال ميديا حيلتها أيضا؛ فهي لا تكافئ المنشورات الأكثر عمقا وجودة وإنما الأسرع والأكثر إثارة ولربما الأتفه. وهكذا قد يتراجع الفرق بين من أمضى عشرين عاما في تخصصه ومن أمضى عشرين دقيقة يتنقل بين مقاطعه.
ثم يغادر الحل الشاشة إلى الأرض، وهنا ينتهي السحر. الاقتصاد لا يصلح بتغريدة، والاكتئاب لا يعالج بمنشور، والحروب لا تنطفئ بزر. الواقع ثقيل وعنيد، وممتلئ بالتفاصيل التي يقفز عنها الإصبع ولا تستطيع الحياة القفز عنها.
لعل أخطر ما يفعله السكرول ليس أنه يلتهم ساعاتنا؛ الأخطر أنه يسرق منا ذلك الشّك الجميل الذي يدفع إلى السؤال والبحث والتثبت، ويمنحنا طمأنينة من يعتقد أنه وصل. نحن غارقون في المعلومات، لكن الغرق في الماء لا يجعل أحدا عالما بالبحار.
تمر الأشياء تحت أصابعنا فنحسب أنها عبرت عقولنا. وحين نطفئ الشاشة، لا يكون العالم قد انكمش إلى حجم الهاتف. نحن فقط نكون قد اختصرنا معرفتنا به إلى حجم إصبع أو أقل منها بقليل.
الدستور