هل يعادي الأردن إسرائيل حقا؟
ماهر ابو طير
05-10-2026 12:28 AM
يسأل كثيرون كيف يصعد الأردن في لغته السياسية ضد إسرائيل، وهو في الوقت نفسه ينسق مع إسرائيل في قضايا مختلفة من الجسور وصولا إلى الغاز، مرورا بالمياه؟.
سبب السؤال أن هناك من يعتقد أن اللغة التصعيدية السياسية، لغة لا تعبر عن حقيقة الموقف بل أن هناك أراء ذهبت إلى القول إن هذه اللغة وظيفية مهمتها تعبئة الداخل الأردني وتوحيده، أمام جملة الأزمات والمشاكل في المنطقة، وفي الأردن ذاته.
يعتقد هؤلاء أن العلاقة جيدة، وأن هناك حدا من التنسيق بين البلدين ما يزال موجودا، خصوصا بشأن إدخال مساعدات لغزة، وصولا إلى ملفات ثانية بما فيها الملف السوري-الإسرائيلي وتوفير أرضية للتفاهم عبر الأردن.
ذلك كلام حساس يراد عبره القول إن الأردن لا يتخذ موقفا حقيقيا ضد إسرائيل، وان كل اللغة التصعيدية السياسية، هي للاستهلاك المحلي الداخلي في الأردن، أو لمحاولة التأثير على معادلة الانتخابات الإسرائيلية، ولو بشكل جزئي، من خلال إثارة النفور في إسرائيل مما جلبه نتنياهو لإسرائيل من ردود فعل على مستويات مختلفة، آخرها ما جرى في الأمم المتحدة، أو حتى في سياق تسديد فواتير أردنية للديمقراطيين على مشارف الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة في سياق إحراج إدارة ترامب الداعمة لإسرائيل دون سقوف محددة.
نحن هنا لسنا في وارد النفي أو التبرير، لكن يمكن القول إن العلاقة الأردنية مع إسرائيل سيئة للغاية، وليس ادل على ذلك من رفض الأردن حتى الآن لعودة السفير الاسرائيلي إلى عمان برغم محاولة تل أبيب مقايضة حلول المياه، بعودة السفير، كما أن الأردن لن يرسل سفيره إلى إسرائيل على المدى الحالي، أو المتوسط، بما يمكن اعتباره دليلا على سوء العلاقة.
ربما هناك خطوط لوجستية وأمنية ما تزال فاعلة بين الجهتين، يستفيد منها الأردن بشأن قضايا تخصه، لكنها أصبحت منخفضة التأثير مؤخرا، وليس سرا أن التقييمات الأمنية في إسرائيل تختلف عن التقييمات السياسية للعلاقة مع الأردن، وهذا يفسر حدوث التناقض في مؤشرات العلاقة بين الجهتين، وفي الوقت ذاته يحاول الأردن أن يحصر موقفه السياسي المعلن من الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهذه الحقبة تحديدا، وسط مخاوف أردنية من تسلل التيارات الدينية المتطرفة إلى الأجهزة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، بما سيؤدي إلى تصعيد في الأزمة بين الأردن وإسرائيل، وهناك مؤشرات تفصيلية تحلل المرحلة المقبلة والى أين تتجه إسرائيل على الصعيد السياسي، والتغيرات المحتملة على بنية الأجهزة الأمنية والعسكرية.
الأمر الآخر الذي يحدد تزامن المسارات، أو تناقضها في لغة الأردن التصعيدية ضد إسرائيل ووجود مؤشرات تنسيق معينة، يرتبط بالموقف الأميركي أيضا، إذ هناك العامل الأميركي وضغطه وتأثيره على الجهتين، وتدخله في محطات معينة، وقبول الأردن لبعض الرغبات الأميركية في سياق تعظيم دوره الجيوسياسي لدى الأميركيين في سياق التحوط من التصرفات الإسرائيلية التي تتزايد حدتها خصوصا ملف الضفة الغربية، وملف المسجد الأقصى، واستعداد إسرائيل لقطع الغاز والكهرباء بالتالي، المياه عن الأردن، وزيادة المضايقات عبر الجسور.
هذه معادلة معقدة جدا لا يمكن فهمها ببساطة، فأنت ترى المؤشر ونقيضه، والدلالة وعكسها، وقد يتشوش أي طرف يحاول التحليل على أساس أن الإشارات يجب أن تكون متسقة بمعنى واحد، لكننا أمام حالة تحفل بالتناقضات، وهذه التناقضات ترتبط بإدارة حساسة للوضع ولطبيعة العلاقة مع إسرائيل، وما تمثله واشنطن من جهة، وما يخشاه الأردن نهاية المطاف إزاء ما قد يستجد بشأن سياسات الاحتلال، ومشاريعه الفترة المقبلة.
الخاصرة الأكثر وجعا هنا لا ترتبط بسؤال الماضي في العلاقات، بل بما ستأتي به الأيام المقبلة، وهذا يفسر محاذير الأردن، ومزجه للغة السياسية التصعيدية ضد إسرائيل، بتجاوبات فنية في قضايا محددة، وكأن الأردن يسير على حبل مشدود، حتى تتضح نهايات هذا المسار الذي تعبره المنطقة، وهي نهايات مفتوحة، يضع الأردن في حساباته كل الاحتمالات بشأنها.
الأردن مهدد من إسرائيل، ويدير موقفه بشكل حساس جدا.
الغد