السينما المصرية بين وهج الريادة وظلام التراجع: كيف تستعيد عرشها العربي؟
د.عبدالفتاح طوقان
05-10-2026 12:53 AM
لم تكن السينما المصرية مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت ذاكرة مصر وصوت العالم العربي ومرآة المجتمع. فمن خلالها عرف الجمهور العربي الحارة المصرية، والقرية، والمدينة، والأسرة، والفقر، والحب، والمقاومة، والوطنية. كما أسهمت المسلسلات المصرية في تشكيل وعي أجيال كاملة، حتى أصبحت القاهرة لسنوات طويلة مركز الإنتاج الفني العربي.
بدأت السينما المصرية الحديثة عام ١٩٢٧ مع فيلمي «قبلة في الصحراء» و «ليلى» ، ثم جاء فيلم «زينب» عام ١٩٣٠ المأخوذ عن رواية محمد حسين هيكل. وفي عام ١٩٣٢ ظهر أول فيلم مصري ناطق، وهو «أولاد الذوات» بطولة يوسف وهبي وأمينة رزق. ثم جاء فيلم «الوردة البيضاء» عام ١٩٣٣ بطولة محمد عبد الوهاب، ليضيف إلى السينما المصرية طابعها الغنائي والاستعراضي.
وفي عام ١٩٣٥ أُنشئ ستوديو مصر، فانتقلت السينما من التجارب الفردية إلى صناعة وطنية منظمة. وأسهم الاستوديو في تدريب الفنانين والفنيين وإنتاج أفلام مهمة، وترسيخ مكانة مصر باعتبارها «هوليوود الشرق». ثم ازدهرت السينما في الأربعينيات والخمسينيات، وبرزت أسماء أم كلثوم، وليلى مراد، وفاتن حمامة، وشادية، وإسماعيل ياسين، وفريد شوقي، وأنور وجدي، وعمر الشريف، وسعاد حسني، ومحمود المليجي ،وحسين رياض ، ونجيب الريحاني ، وتحية كاريوكا ، وسامية جمال ، وزكي رستم وحسن فايق وغيرهم.
كانت أفلام تلك المرحلة متنوعة؛ فمنها الغنائي مثل «غزل البنات» عام ١٩٤٩ والاجتماعي مثل «العزيمة» عام ١٩٣٩ ، والإنساني مثل «بداية ونهاية» عام ١٩٦٠ ، والوطني مثل «في بيتنا رجل» عام ١٩٦١ ، والسياسي مثل «القاهرة 30» عام ١٩٦٦. ولم تكن قيمتها في نجومها فقط، بل في قوة قصصها وشخصياتها وحواراتها وقدرتها على التعبير عن الإنسان المصري.
بعد ثورة يوليو ١٩٥٢ اتسع انتشار الفيلم المصري في العالم العربي، وأصبحت دور العرض في كثير من الدول تعتمد بدرجة كبيرة على الإنتاج المصري. وفي عام ١٩٦٠ بدأ البث التلفزيوني المصري، فتحولت الشاشة الصغيرة إلى وسيلة جديدة لصناعة الوعي وتقديم الدراما والأعمال الوطنية.
وفي الستينيات دعمت الدولة الإنتاج السينمائي، فأنتج القطاع العام بين عامي ١٩٦٣ و١٩٧١ عددًا كبيرًا من الأفلام المهمة، مثل «الحرام» عام ١٩٦٥ ، و" الزوجة الثانية" عام ١٩٦٧ و«شيء من الخوف» عام ١٩٦٩ و" الأرض " و«المومياء» عام ١٩٧٠ .
كانت هذه الأعمال شعبية وجادة في الوقت نفسه، وناقشت الفقر والظلم، والسلطة والكرامة والهوية.
وفي عام ١٩٧١ تراجع الدور الإنتاجي المباشر للدولة، وبدأ القطاع الخاص يفرض منطقه تدريجيًا. ورغم ظهور أفلام مهمة مثل «إحنا بتوع الأتوبيس» عام ١٩٧٩ ، و«سواق الأتوبيس» عام ١٩٨٢ ، و**«البريء» عام ١٩٨٦ ، فإن الصناعة بدأت تفقد توازنها بين الفن والتجارة.
وفي التلفزيون، حافظت الدراما المصرية على حضورها من خلال مسلسلات مثل «الشهد والدموع» ، " القاهرة والناس "، و«ليالي الحلمية» ، و" المال والبنون" و" بنت الحتة "، " انف وثلاث عيون " ، " رأفت الهجان " ، و«أرابيسك»، و«زيزينيا»، و «بوابة الحلواني» .
امتلكت هذه الأعمال شخصيات مركبة، وحوارات قوية وذاكرة اجتماعية واضحة. أما اليوم، فقد أدى تكرار الأفكار وتمديد الحلقات إلى إضعاف الحبكة، وأصبح بعض المسلسلات يعتمد على العنف والثراء السريع بدلًا من بناء الشخصيات.
لا يمكن اختزال أسباب التراجع في عامل واحد؛ فقد أسهم ضعف السيناريو، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع الاستوديوهات، وضعف التوزيع، وغياب التخطيط الثقافي، والخوف من المخاطرة في إضعاف الصناعة.
كما تحول شعار " الجمهور عايز كده" إلى مبرر لتقديم أفلام عن المخدرات والقتل والبلطجة وتوافه الأمور، من دون معالجة اجتماعية أو قيمة فنية.
لكن الجمهور ليس عدوًا للفن؛ فقد تابع أعمالًا عميقة حين وجد فيها قصة جيدة وصدقًا فنيًا. فالسينما الشعبية ليست سينما مبتذلة، بل هي السينما التي تعبر عن الناس وتحترم عقولهم.
والسؤال الان هو كيف يمكن ان تستعيد السينما المصرية ريادتها؟
تستطيع السينما المصرية استعادة مكانتها من خلال خطوات واضحة، أهمها:
- إعادة الاعتبار إلى السيناريو ، لأن قوة الفيلم تبدأ من القصة والشخصيات والحوار، لا من النجوم وحدهم.
- إنشاء صندوق مستقل لدعم السينما ، يمول الأفلام الأولى والأعمال الأدبية، والتاريخية والوطنية والاجتماعية.
- تشجيع تحويل الروايات المصرية إلى أفلام ومسلسلات ، بدل الاعتماد على الأفكار المكررة وتمصير الافلام الاجنبية .
- دعم المخرجين والكتاب الشباب، وتوفير ورش تدريب ومعامل متخصصة في التصوير والمونتاج والإخراج.
- تحقيق التوازن بين الفن والسوق، بإنتاج أفلام جماهيرية تحترم عقل المشاهد ولا تسقط في الابتذال.
- إعادة توزيع الأفلام في المحافظات، حتى لا تظل السينما محصورة في المدن الكبرى.
- تطوير المنصات الرقمية المصرية والعربية، لتوفير فرص عرض للأعمال الجيدة والوصول إلى جمهور عالمي.
- إحياء النقد الفني الجاد ، حتى لا يُقاس نجاح العمل بالإيرادات والمشاهدات فقط.
- إنتاج أعمال تعكس مصر المعاصرة ، وتتناول التعليم والسكن والعمل والهجرة والفقر والطبقة الوسطى وقضايا الشباب.
- حماية حرية الإبداع مع الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية، لأن الفن لا يزدهر في بيئة الخوف أو التكرار.
واقصد انه لم تمت السينما المصرية، لكنها فقدت جزءًا من مشروعها الثقافي. وما زالت مصر تملك المواهب والنجوم والكتاب والروايات والموضوعات القادرة على صناعة أعمال عظيمة. ولكي تعود إلى ريادتها، يجب أن تعود الحكاية إلى مركز العمل، ويعود الإنسان إلى قلب الصورة، ويتوقف المنتجون عن التعامل مع الجمهور باعتباره رقمًا في شباك التذاكر فقط.
فالسينما التي صنعت ذاكرة العالم العربي قادرة على استعادة عرشها، إذا جمعت بين أصالة الماضي، وجرأة الحاضر، وتكنولوجيا المستقبل ، وتخلت عن الابتذال و القصص التافهة واتجهت نحو الإبداع في الرواية و التصوير و الموسيقى و اختيار النجوم واحترام عقل المشاهد الذي يعشق السينما المصرية من المحيط إلي الخليج .