في الأسطورة اليونانية، فإن الأمازونيات كنَّ نساء لا يعرفن المساومة والمهادنة مع الخوف؛ شجاعات وفارسات مقاتلات عنيدات، يقال إن الواحدة منهن كانت تستأصل ثديها كيلا يعوق ذراعها وهي تشد وتر القوس أو تطعن بالرمح. لا أعرف كم في الحكاية من التاريخ وكم فيها من الخيال المتجلي، لكنني أعرف أن أمازونيات أخريات يعشن بيننا اليوم، لا يستأصلن جزءا من أجسادهن كي يذهبن إلى الحرب، وإنما يدخلن حربا شرسة ليستعدن أجسادهن وحياتهن.
قبل سنوات قرأت لقاء مع نساء انتصرن على سرطان الثدي بعد معارك طويلة معه. لم تستوقفني لغة المرض بقدر ما أخذني ذلك العنفوان الغريب الذي يخرج أحيانا من قلب الخوف نفسه. كل واحدة كانت تحمل ندبتها كما يحمل الناجي دليله على عبور النار، وتحكي عن سقوط الشعر، وتعب الجسد، وغرف العلاج، ثم عن صباح عاد عاديا بعد زمن لم يكن فيه أي شيء عاديا. شعرت أن كل ناجية قصة تستحق أن تروى كمثال.
إحداهن بقيت ستة عشر عاما مع زوج لم يرزقا خلالها طفلا، وحين أصابها المرض كان أول ما قدمه لها سخرية من شعرها المتهاوي مع العلاج الكيماوي، ونفورا من صفرة وجهها، ثم خرج من حياتها تاركا وراءه جملة أقسى من المرض: «ها أنت أصبحت رجلا أصلع». وبعد عامين بلغها أنه مات في غربته بسرطان الثدي. لا شماتة في المرض ولا في الموت، لكن للحياة مفارقات تجعلنا نصمت أمامها طويلا. فالرجال أيضا يصابون بسرطان الثدي، وإن كانت إصابتهم به أقل كثيرا من النساء.
ولهذا يأتي شهر تشرين الأول مرتديا ورديته الشهيرة كل عام، لا ليزين الشوارع بشريط ملون، وإنما ليذكرنا أن الخوف حين يظل وحيدا يكبر، وإذا أضيئت حوله المعرفة يصغر ويتلاشى. حملات التوعية والكشف المبكر غيّرت الكثير؛ فالمرأة التي كانت تخشى أن يجرح إعلان المرض أنوثتها، أو ترى في الفحص بابا لا تريد فتحه، صارت تعرف أن الذهاب إليه فعل شجاعة، والكشف المبكر ليس خبرا سيئا نبحث عنه بل فرصة للحياة نذهب إليها قبل فوات موعدها.
ولعل أجمل ما فعله هذا التشرين الوردي أنه نقل الحكاية من جسد المرأة إلى المجتمع كله. فالمرض لا يصيب ثديا وحده؛ تهتز معه عائلة، وزوج، وأطفال، وأصدقاء، وزملاء. ولهذا لا يكون الانتصار دواء وجراحة بقدر ما هو يد تمسك بيد، وكتف يسند ولا ينسحب حين يتغير الجسد ويصيبه بعض الوهن، وهو كذلك عين ترى المرأة كاملة حين تحاول المرآة أن تقنعها بفقدان شيء منها.
الثدي في حضارات سابقة عمّد رمزا للأمومة والخصوبة والجمال. لكن المرأة أكبر من عضو، والأنوثة أوسع من صورة في مرآة. وربما لهذا أقدّر الأمازونيات الجديدات أكثر من أسطورتهن القديمة؛ تلك كانت تتخلى عن ثدي لتطلق سهما وحربا. أما الأمازونية الوردية فتنهض بعنفوان قلبها وشجاعتها لتطلق سهما أبعد نحو الحياة.
الدستور