facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ثلاث سنوات بعد السابع من أكتوبر


د. منذر الحوارات
13-10-2026 12:15 AM

لم يكن السابع من أكتوبر حدثا ولد من فراغ، ولا يمكن فهمه بعيدا عن قرن من العذاب الفلسطيني، بدأ بوعد بلفور، حين وعدت بريطانيا بأرض لا تملكها، ثم مضى المجتمع الدولي في ترتيبات صنعت مأساة شعب، وعجز لاحقًا عن إنصافه، ومنذ ذلك الحين، بقي الفلسطيني حبيسا بين حلم الدولة وحق تقرير المصير، وبين احتلال يمتلك القوة ويحظى بدعم دولي لم يمنعه من الاستمرار في مصادرة الأرض وتضييق الحياة على أصحابها.

تخيلوا فلسطينيا محشورا في خيمة بغزة، ينظر نحو الأفق حيث بيت عائلته وأرض أجداده، فيجد آخر جاء من أقاصي الدنيا يستند إلى وعد إلهي عمره ثلاثة آلاف عام ليقول إنها أرضه، والمفارقة أن عالما علمانيا ديمقراطيا، يرفض استحضار التاريخ الديني لتبرير الحقوق السياسية لأي شعب آخر، يتسامح هنا مع توظيفه بطريقة فظة، بينما يعجز عن إنصاف إنسان يحمل مفتاح بيت لم يمض على اقتلاعه منه سوى بضع عقود، فكيف تتحول ذاكرة أحدهما إلى حق تسنده القوة، وذاكرة الآخر إلى عبء يطالب بنسيانه؟

هل تسألون عن أسباب السابع من أكتوبر؟ هنا بعض الإجابة، غضب تراكم فوق غضب، واحتلال لم يكتف بالأرض، وأفشل تسوية تاريخية قبل الفلسطينيون خوضها أملا بدولة، لكن الاستيطان والانقسام وغياب الإرادة السياسية الإسرائيلية والدولية جعلوا الدولة أبعد من أي وقت مضى، انفجر اليوم الغاضب فاهتزت وتهشمت النظرية الأمنية الإسرائيلية، المعتمدة على أن القوة والقمع يحميانها، وإن كانت صدمة القوة لا تعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية، لكن شعبا كاملا تحمّل تبعاتها، فاستخدمتها إسرائيل كرخصة لتدمير وتعذيب شعب بأكمله.

أما ماذا بعد؟ فقد دفعت غزة ثمنا يفوق الوصف: عشرات آلاف الشهداء، ودمار هائل، وخيام تحتضن وجوها عذبها الجوع ومناظر الموت، أطفال كبروا قبل أوانهم، لكنهم ما زالوا يحتفظون ببراءة تظهر حين تصل قطعة حلوى أو كيس خبز، وخلف الخط الأصفر الذي يزحف كل يوم، وتتمدد معه القيود والسيطرة الإسرائيلية، بينما تضيق المساحات المتاحة لأهل غزة، وفي الضفة، يواصل الاستيطان تقطيع الجغرافيا الفلسطينية، وكأن إسرائيل تسابق الزمن لفرض واقع يستحيل معه قيام دولة، وفيما تناقش العواصم اليوم التالي للحرب، لا يعرف أهل غزة كيف يعبرون يومهم الحالي، وأين يجدون سقفا وماء ودواء.

عالميا، عادت فلسطين إلى الشوارع وساحات الجامعات والبرلمانات، لكن للأسف لم يتحول التعاطف إلى قرارات سياسية قادرة على تغيير الواقع، بل أخشى أن يكون الغضب الشعبي قد استثار تيارا مضادا أكثر تمسكا بسلوك إسرائيل، وهذه مفارقتنا المؤلمة، ننتقد انحياز الديمقراطيات الغربية، ثم نراهن على أن الحل سيأتي من داخلها، بينما تظل الفجوة واسعة بين الشعارات العادلة والقرارات الشجاعة في تلك الدول، صحيح أن الاعترافات بالدولة الفلسطينية والمواقف القانونية الدولية مهمة، لكنها لا تحمي بيتا من الهدم ولا توقف مستوطنا عند حدود أرض ليست له، ما لم تتحول إلى فعل سياسي ملزم.

أما إقليميا، فمن الخطأ تحميل السابع من أكتوبر مسؤولية كل الحرائق، فالمنطقة كانت حبلى بانفجارات تنتظر الصاعق، فحزب الله دخل حرب الإسناد بتراخ، ودفع ثمنا عسكريا وسياسيا باهظا نتيجة ذلك، ثم فقد بسقوط النظام السوري ممرا إستراتيجيا لدعمه، وهو ما غير موازين القوة في كل لبنان، حيث برزت الفرصة كي تستعيد الدولة قرارها، وإن لم يحسم الصراع الداخلي بعد.


وفي سورية، انهار نظام استند طويلا إلى إيران وحلفائها، وانفتح مسار شاق لإعادة بناء دولة جديدة ومختلفة، أما العراق، فيواجه اختبار حصر السلاح بيد مؤسساته، وسط ضغوط على الفصائل المرتبطة بطهران، إنها تحولات لم يصنعها السابع من أكتوبر وحده، لكنها تسارعت في أعقابه، وكشفت هشاشة منظومة نفوذ اعتمدت على المليشيات وتفكيك الدول، واعتقد طويلا أنها عصية على التفكك.

أما إيران، فقد وجدت نفسها في مواجهة أميركية إسرائيلية مباشرة، بعدما تصدعت نظرية الدفاع المتقدم القائمة على المليشيات، لكنها اكتشفت أن الجغرافيا قد تعوض بعض خسائر القوة، فمضيق هرمز بدا كأنه سلاح إستراتيجي منحته الطبيعة لطهران، تستطيع من خلاله رفع كلفة الحرب على العالم كله، وتم إحياء الورقة الحوثية، فامتد التهديد إلى باب المندب والسعودية، وعادت الحرب اليمنية إلى التصاعد، بينما تحاول الرياض والقوات الحكومية اليمنية تغيير المعادلة، دون ضمان أن تنتهي المواجهة سريعا.

إذن، لم يصنع السابع من أكتوبر كل هذه الأزمات، الفلسطيني كان غاضبا من احتلاله، ودول عربية ضاقت بالنفوذ الإيراني، وإسرائيل وجدت فرصة لتوسيع مواجهاتها، وواشنطن أعادت حساباتها الإقليمية، لكل طرف أسبابه وحساباته، ولكل حرب قراراتها ومسؤولياتها، لكن الفلسطيني بقي يدفع الثمن الأكبر ويبتعد يوما بعد يوم عن حلمه بالدولة.
بعد ثلاث سنوات، لا تبدو المنطقة على صفيح ساخن، بل كأنها كتلة من الجمر، فهل تصهر هذه النار معادنها النفيسة وتولد منها ترتيبات أكثر عدلا واستقرارا، أم تتركها كومة رماد، يخفي تحته حطبا جاهزا بانتظار شرارة أخرى؟

الغد





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :