facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الذكاء الاصطناعي يخلق وظائف أكثر مما يُلغي، فأين الأردن؟


د. رائد عودة
20-10-2026 05:00 PM

‏نشرت مجلة الإيكونوميست العريقة مؤخرا مقالا يتناول أثر الذكاء الاصطناعي على سوق العمل الأمريكي ويقدم نتائج تستحق التوقف عندها، خصوصا في ظل المخاوف المتزايدة من أن يؤدي انتشار هذه التكنولوجيا إلى فقدان أعداد كبيرة من الوظائف.

‏فبحسب تقديرات المجلة، ساهم الذكاء الاصطناعي حتى الآن في خلق نحو مليون وظيفة في الولايات المتحدة مقابل نحو 200 ألف وظيفة أعلنت الشركات إلغاءها بسبب الذكاء الاصطناعي منذ منتصف عام 2023. وهي أرقام تشير إلى أن أثر هذه التكنولوجيا على التوظيف قد يكون أكثر إيجابية مما توحي به بعض التوقعات المتشائمة.

‏ويعزو المقال هذا النمو إلى عدة عوامل، أبرزها التوسع الكبير في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بما يشمل إنشاء مراكز البيانات وتطوير شبكات الكهرباء وأنظمة الحوسبة، وما يصاحب ذلك من طلب متزايد على المهندسين والفنيين والعاملين في قطاعات الإنشاءات والصيانة. كما يشير إلى ظهور مهن جديدة مرتبطة بتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشغيلها وإدارتها وتطبيقها في مختلف القطاعات، فضلا عن ارتفاع إنتاجية بعض المهنيين، الأمر الذي قد يؤدي إلى خفض تكلفة خدماتهم وزيادة الطلب عليها وبالتالي توسيع فرص العمل.

‏لكن الصورة ليست إيجابية بالكامل. فالمقال يرصد تراجعا ملحوظا في بعض الوظائف، خصوصا في مجالات خدمة العملاء والأعمال الإدارية والسكرتارية، حيث أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على أداء جزء متزايد من المهام التي يقوم بها الموظفون.

‏وتتمثل الخلاصة الأساسية للمقال في أن الذكاء الاصطناعي يبدو، حتى الآن، قادرا على خلق فرص عمل أكثر من تلك التي يلغيها، وإن كانت هذه الفرص تتوزع بصورة غير متكافئة بين المهن والقطاعات.

‏وتدعو هذه النتائج إلى التفاؤل الحذر، لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات مهمة حول ما يمكن أن تعنيه للأردن والعالم العربي. فالتجربة الأمريكية تجري في اقتصاد يمتلك قدرات استثمارية هائلة وشركات تكنولوجية عالمية وأسواقا واسعة قادرة على استيعاب منتجات وخدمات جديدة. ومن الصعب افتراض أن النتائج نفسها ستتحقق تلقائيا في اقتصادات تختلف في حجمها ومواردها وطبيعة أسواق العمل فيها.

‏وفي الأردن تحديدا، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل التحديات القائمة أصلا في سوق العمل. فقد بلغت نسبة البطالة بين الأردنيين 21% في الربع الثاني من عام 2026، بحسب دائرة الإحصاءات العامة. وهذا يعني أننا نستقبل التحولات التي يحدثها الذكاء الاصطناعي في وقت لا يزال فيه الاقتصاد يواجه صعوبة في توفير فرص عمل كافية خصوصا للشباب والخريجين الجدد.

‏وقد تكون إحدى أهم القضايا التي تستحق الاهتمام هي أن الوظائف التي يخلقها الذكاء الاصطناعي عالميا لن تتوزع بالضرورة على الدول بالقدر نفسه. فبعض دول الخليج تستثمر مبالغ ضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية والتقنيات المتقدمة، بينما تمتلك دول مثل الأردن فرصا مختلفة ترتبط بكفاءاتها البشرية وخبراتها في تطوير البرمجيات وقدرتها على تقديم الخدمات التقنية والمهنية للأسواق الإقليمية والعالمية.

‏وهنا تبرز أهمية مفهوم "الاقتصاد المتكافل" الذي دعا إليه سمو الأمير الحسن بن طلال ضمن رؤيته للتنمية والتكامل الاقتصادي العربي، والقائم على توظيف المزايا والموارد المتكاملة للدول العربية لتحقيق مصالح اقتصادية مشتركة. وفي سياق الذكاء الاصطناعي، يمكن ترجمة هذه الرؤية إلى شراكات تجمع بين القدرات الاستثمارية والبنية التحتية والأسواق الخليجية من جهة، والكفاءات والخبرات الأردنية من جهة أخرى، لتطوير منتجات وخدمات وشركات قادرة على المنافسة عالميا. لكن نجاح هذا التكامل يتطلب الانتقال من التعاون التقليدي في التدريب وتبادل الخبرات إلى استثمارات ومشاريع مشتركة تساهم في بناء قدرات إنتاجية محلية وخلق فرص عمل مستدامة.

‏ومع أهمية هذه الفرص، لا ينبغي أن نغفل المخاطر التي قد يفرضها الذكاء الاصطناعي على بعض الوظائف القائمة في الأردن. فبعض المجالات التي وفرت فرص عمل للشباب الأردني خلال السنوات الماضية، مثل خدمات العملاء وخدمات الإسناد الخارجي وبعض الأعمال المكتبية والتقنية، تعتمد بدرجات متفاوتة على مهام أصبح بالإمكان أتمتة جزء منها. وقد تواجه الشركات العاملة في هذه القطاعات ضغوطا متزايدة لخفض التكاليف خصوصا مع اشتداد المنافسة العالمية.
‏وهذا يقود إلى سؤال أراه من أهم الأسئلة المرتبطة بمستقبل العمل: كيف سيكتسب الشباب الخبرة المهنية إذا تقلصت الوظائف التي كانت تمثل خطوتهم الأولى في سوق العمل؟

‏فالكثير من المهام التي يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بها اليوم، مثل إعداد التقارير الأولية وجمع المعلومات وتحليل البيانات الأساسية وكتابة بعض البرمجيات، كانت تقليديا جزءا من مسؤوليات الموظفين الجدد. ومن خلال هذه المهام كان الشباب يكتسبون المعرفة العملية والخبرة التي تؤهلهم لتولي مسؤوليات أكبر لاحقا.

‏وإذا أصبحت الشركات قادرة على إنجاز هذه الأعمال باستخدام الذكاء الاصطناعي، فقد تتراجع حاجتها إلى بعض الوظائف المخصصة للمبتدئين. وقد يؤدي ذلك، على المدى الطويل، إلى إضعاف المسار التقليدي الذي ينتقل من خلاله الخريجون من التعليم إلى العمل، ثم إلى الوظائف الأكثر تخصصا وخبرة.

‏وتستدعي هذه الاحتمالات إعادة التفكير في أساليب التعليم والتدريب والتأهيل المهني، وفي دور الشركات نفسها في إعداد الكفاءات الجديدة. فقد نحتاج إلى نماذج تدريب عملي مختلفة تتيح للشباب اكتساب الخبرة في بيئات عمل تستخدم الذكاء الاصطناعي وتساعدهم على تطوير مهارات التحليل وحل المشكلات واتخاذ القرارات، إلى جانب المهارات التقنية.

‏وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين تعليم الشباب كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وبين بناء اقتصاد قادر على توفير فرص عمل تستفيد من هذه المهارات. فالتوسع في البرامج التدريبية، على أهميته، لن يؤدي وحده إلى خفض البطالة إذا لم يقترن بنمو الشركات وزيادة الاستثمارات وتطوير منتجات وخدمات جديدة وفتح أسواق أمام الشركات الأردنية.

‏ويمتلك الأردن بالفعل استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي للأعوام 2023–2027، تتضمن أهدافا تتعلق ببناء القدرات وتشجيع البحث العلمي وتعزيز الاستثمار وريادة الأعمال. ومن المهم أن يقترن تنفيذ هذه التوجهات بمؤشرات اقتصادية واضحة، تقيس أثرها على نمو الشركات وزيادة الصادرات وتحسين الإنتاجية واستحداث فرص العمل.

‏كما ينبغي النظر إلى القطاعات التي يمتلك الأردن فيها خبرات وفرصا واعدة، مثل التعليم والصحة والسياحة والخدمات المهنية وتكنولوجيا المعلومات، ودراسة كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لتطوير خدمات جديدة، وتحسين القدرة التنافسية للشركات، والوصول إلى أسواق خارجية. ويمكن أن تشكل التطبيقات والخدمات الموجهة للسوق العربية، بما فيها الحلول التقنية باللغة العربية، إحدى الفرص التي تستحق اهتماما أكبر.

‏ومن المهم أيضا ألا يقتصر اهتمامنا على استخدام الذكاء الاصطناعي لخفض تكاليف التشغيل وزيادة كفاءة المؤسسات. بل ينبغي أن يكون توسيع النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة جزءا أساسيا من أهداف التحول التكنولوجي. وإذا أدت هذه التكنولوجيا إلى تمكين الشركات من إنجاز أعمالها بعدد أقل من الموظفين، دون أن يصاحب ذلك توسع في الإنتاج والاستثمار والطلب على الخدمات، فقد تزداد صعوبة التحديات التي يواجهها سوق العمل.

‏‏إن ما يقدمه مقال الإيكونوميست هو مؤشر مشجع على قدرة الذكاء الاصطناعي على تحفيز النشاط الاقتصادي واستحداث وظائف جديدة. لكنه يذكرنا أيضا بأن المكاسب الاقتصادية للتقدم التكنولوجي لا تتوزع تلقائيا أو بالتساوي، وأن الاستفادة منها تعتمد على طبيعة الاقتصادات، وقدرات الشركات، والسياسات التي تتبناها الدول.

‏وبالنسبة للأردن، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية تحويل التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي إلى فرص اقتصادية ملموسة، من خلال تعزيز تنافسية الشركات الأردنية وتوسيع صادراتها واستقطاب الاستثمارات وبناء شراكات إقليمية تساهم في خلق فرص عمل نوعية للشباب.

‏فالذكاء الاصطناعي قد يخلق ملايين الوظائف حول العالم، لكن نصيب الأردن من هذه الفرص سيتحدد إلى حد كبير بالخيارات الاقتصادية والتعليمية والاستثمارية التي نتخذها اليوم.

*مساعد الأمين العام للشؤون العلمية والتكنولوجية، المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا
*قائم بأعمال رئيس المركز الوطني للابداع

r.awdeh@hcst.gov.jo





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :