السكك الحديدية والتنمية المجتمعية
الصحفية رلى السماعين
21-10-2026 11:31 AM
أتابع باهتمام كبير مشروع السكة الحديدية في الأردن، وتبلور ملامحها، وفي ذهني صورة لما يمكن أن تكون عليه هذه المنظومة بشكلها الحديث التي يمكن أن تجمع بين دورها الاقتصادي، وإرثها التاريخي، وفرصها السياحية، وتفتح أمام الأردن آفاقاً تنموية تتعدى مجرد نقل البضائع من مكان إلى آخر.
وقد شكّل وضع حجر الأساس لمشروع سكة حديد العقبة–الشيدية–معان، في الخامس من تشرين الأول الجاري، خطوة مهمة في مسار تطوير البنية التحتية الوطنية، وتعزيز مكانة الأردن في قطاع النقل والخدمات اللوجستية. فالمشروع الذي تبلغ استثماراته نحو 2.5 مليار دولار، ويشمل تطوير شبكة بطول 403 كيلومترات، يستهدف رفع كفاءة نقل الفوسفات، وخفض كلف النقل، وتعزيز تنافسية الصادرات الأردنية، وهذه أهداف اقتصادية مهمة تستحق التقدير والدعم وبالذات لما يمكن أن تفتحه من فرص استثمارية وإنتاجية على المدى الطويل.
لكن ما يشغل تفكيري أيضاً هو تأثيرها الايجابي كما يفترض على المجتمع وبالذات المناطق المحيطة بهذه المشاريع. فحين تمر سكة الحديد بالقرب من مدينة أو تجمع سكاني ما، ينبغي أن يكون لأبناء المنطقة نصيب واضح من الفرص التي تخلقها.
وقد حملت التصريحات الرسمية مؤشرات إيجابية بشأن الأثر الاقتصادي والتنموي المتوقع للمشروع في جنوب المملكة وفرص العمل المرتبطة به. وأرى أهمية ترجمة هذه التوقعات إلى برامج تدريبية عملية تبدأ الآن لتأهيل أبناء المجتمعات المحلية وإشراك المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الخدمات والأنشطة الاقتصادية التي يمكن أن تنشأ حول السكة، لأن التنمية الحقيقية هي بأثر المشاريع الإيجابية على المجتمعات من خلال فرص عمل مستدامة وتحسين الدخل وتوسيع المشاركة الاقتصادية.
وثمة جانب آخر أراه جديراً بالاهتمام، وهو الإرث التاريخي الذي يمتلكه الأردن في مجال السكك الحديدية.
فسكة حديد الحجاز هي تاريخ بحد ذاته، حتى ولو كانت عبارة عن محطات قديمة وقاطرات توقفت عن العمل، تبقى جزء مهم من تاريخ الأردن والمنطقة، ارتبطت بحركة الحجاج والمسافرين، وشهدت مراحل مهمة من تاريخ الدولة الأردنية الحديثة.
ولذلك، فإن الجهود المبذولة لترميم المحطات التاريخية، وتطوير متحف السكك الحديدية في عمّان، خطوات إيجابية تستحق أن تتكامل مع رؤية سياحية وثقافية أوسع، بأن تتحول هذه المحطات إلى نقاط انطلاق لتجارب سياحية تربط بين تاريخ السكك الحديدية والمواقع الأثرية والدينية والتراثية المحيطة بها، وأن تعود الحياة إلى بعضها من خلال أنشطة ثقافية ورحلات تراثية مدروسة، تتيح للأردني والضيف التعرف إلى جوانب مختلفة من تاريخ المملكة.
لذا من المفيد إبقاء إمكانات نقل الركاب ضمن التفكير المستقبلي، وفق دراسات الجدوى الاقتصادية والفنية، لما يمكن أن يضيفه ذلك من خيارات للتنقل والربط بين المدن والمواقع السياحية.، ومن الضرورة أيضاً الاستفادة الكاملة من المشاريع الناجحة حيث تتوسع فوائدها وتترك أثراً مستداماً في الاقتصاد والمجتمع، فالسكك الحديدية تربط المواقع بخطوط من الحديد، لكن الرؤية التي تقف خلفها هي التي تستطيع أن تربط التنمية بالإنسان، والمستقبل بالتاريخ.
وبالطبع، فإن مشروع العقبة–الشيدية–معان له وظيفته الاقتصادية المحددة، ولا أقصد تحميله أهدافاً لم يُصمم من أجلها، وإنما أرى أن انطلاقة فرصة مناسبة للتفكير في مستقبل السكك الحديدية في الأردن بصورة أكثر تكاملاً.
نمضي بقوة في التحديث الاقتصادي والسياسي البنية التحتية بنعمة الله، ونحافظ في الوقت ذاته على إرثنا الوطني وأن يشعر المواطن، أينما كان، بأن التنمية قريبة منه وقد تصل إليه. والأردن يستحق. حمى الله الوطن.
*كاتبة متخصصة في الحوارات والسلم المجتمعي