من عطّل المبادرة الأردنية لإنشاء مجلس وزراء التعليم العرب؟
د. هيفاء ابوغزالة
21-10-2026 11:38 AM
ليست كل الخسائر العربية أموالاً تُهدر أو مشروعات تتعثر؛ فبعضها فرص تضيع بصمت في أروقة المؤسسات، ولا تظهر في الموازنات أو التقارير، رغم أن ثمنها قد تدفعه أجيال كاملة. ولعل أكثر هذه الخسائر إيلاماً تلك التي تطال التعليم، حين تصبح الحسابات المؤسسية والمصالح الضيقة أقوى من المبادرات التي تستهدف بناء مستقبل الإنسان العربي.
في عام 2021، تقدمت المملكة الأردنية الهاشمية بمبادرة لإنشاء مجلس وزراء التعليم العرب في إطار جامعة الدول العربية، بهدف تعزيز التنسيق بين الدول العربية، وتطوير السياسات التعليمية المشتركة، وإيجاد إطار وزاري قادر على تحويل الطموحات التربوية إلى قرارات وبرامج قابلة للتنفيذ والمتابعة.
ولم تكن المبادرة الأردنية خروجاً عن منظومة العمل العربي المشترك، إذ يعمل في إطار جامعة الدول العربية أكثر من خمسة عشر مجلساً وزارياً متخصصاً تغطي قطاعات حيوية متعددة. وقد أتيحت لي، خلال عملي أميناً عاماً مساعداً للجامعة، فرصة الإشراف على عدد من هذه المجالس، من بينها مجالس وزراء الصحة والشؤون الاجتماعية والسكان والشباب والرياضة، فضلاً عن عملي في قطاع الإعلام. ومن واقع هذه التجربة، أدرك أهمية وجود إطار وزاري متخصص يمنح القضايا القطاعية حضوراً على مستوى القرار السياسي، ويعزز التنسيق بين الدول ومتابعة تنفيذ القرارات. ومن هنا يبرز السؤال: إذا كانت قطاعات عديدة تحظى بمجالس وزارية متخصصة، فلماذا لا يحظى التعليم، وهو أساس بناء الإنسان ونهضة المجتمعات، بمجلس مماثل؟
لقد شهدت بنفسي جميع الاجتماعات التي ناقشت المبادرة الأردنية، وتابعت ما رافقها من مداولات ومواقف. ورغم أنها حظيت بموافقة أولية، فإنها سرعان ما واجهت مقاومة شديدة من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو». ومن خلال ما شهدته في تلك الاجتماعات، بدا لي أن تسييس المبادرة من قبلهم أصبح وسيلة لإجهاضها، بعدما تعذّر مواجهتها بحجج موضوعية تتعلق بجدواها التعليمية. وبدلاً من مناقشة ما يمكن أن تضيفه إلى مستقبل التعليم العربي، انصرف النقاش إلى اعتبارات سياسية ومؤسسية أبعدته عن جوهر المقترح، في نهج أراه بعيداً عن المهنية التي يفترض أن تحكم عمل المؤسسات العربية المشتركة. وهكذا نجحت الحسابات الشخصية في تعطيل فرصة كان يمكن أن تضيف اضافة نوعية لملف التعليم بالعالم العربي.
وهنا لا بد من توضيح مسألة مؤسسية أساسية: لقد أُنشئت المنظمات العربية المتخصصة لتكون بيوت خبرة تدعم جامعة الدول العربية ودولها الأعضاء في المجالات الفنية والعلمية والتنموية، وليس لتحل محل المجالس الوزارية أو تتولى صلاحياتها. فجامعة الدول العربية، من خلال أجهزتها المختصة ووفق الإجراءات المعتمدة، هي الجهة المنوط بها إنشاء المجالس الوزارية العربية المتخصصة، بينما تستطيع المنظمات إنشاء لجان فنية ومتخصصة في نطاق اختصاصاتها، وتقديم الخبرات والدراسات والمشورة لدعم العمل الوزاري العربي.
ومن هذا المنطلق، لم تكن المبادرة الأردنية انتقاصاً من دور الألكسو أو تدخلاً في اختصاصاتها، بل كان يمكن أن تشكل فرصة لتعزيز دورها لتكون بيت خبرة يدعم المجلس الوزاري المقترح ويسهم في تطوير السياسات التعليمية العربية. فلماذا جرى التعامل معها باعتبارها تهديداً مؤسسياً وشخصيا بدلاً من النظر إليها بوصفها فرصة لتطوير التعاون العربي؟
والسؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم، بعد ستة وخمسين عاماً على إنشاء الألكسو عام 1970: ماذا أضافت المنظمة فعلياً إلى واقع التعليم والثقافة والعلوم في العالم العربي؟ وما النتائج الملموسة التي حققتها في تطوير التعليم، وتعزيز مكانة اللغة العربية، والنهوض بالمعرفة والبحث العلمي؟ لا أحد ينكر أن المنظمة أطلقت برامج ومبادرات وأصدرت دراسات وتقارير، لكن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد المؤتمرات والاجتماعات والنشرات والرحلات التي قامت بها ،، وإنما بما أحدثته من تغيير ملموس في حياة الإنسان العربي. ومن حق الدول الأعضاء أن تطالب بتقييم مستقل وشفاف يوضح ما تحقق، وما لم يتحقق، وما أُنفق من موارد مقابل النتائج.
إن الإشكالية لا تتعلق بالألكسو وحدها، بل تمتد إلى ثقافة مؤسسية قد تجعل بعض المنظمات تنشغل بالدفاع عن صلاحياتها ومواقعها أكثر من انشغالها بتطوير أدائها. وعندما تتحول المبادرات الإصلاحية إلى موضوع للتجاذب السياسي أو التنافس المؤسسي، فإن الخاسر الحقيقي ليس الجهة التي تقدمت بالمبادرة، بل المواطن العربي الذي ينتظر نتائج العمل المشترك.
واليوم، وبعد مرور خمس سنوات على طرح المبادرة الأردنية، وفي ظل التحولات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة والتكنولوجيا، تبدو الحاجة إلى تنسيق السياسات التعليمية العربية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالتحدي لم يعد مقتصراً على تطوير المناهج وتحسين جودة التعليم، بل أصبح يتعلق بقدرتنا على إعداد أجيال تمتلك مهارات المستقبل وتنافس في عالم تتغير فيه طبيعة المعرفة والعمل بوتيرة غير مسبوقة.
ولا أستعيد هذه التجربة لمجرد الحديث عن خلاف مؤسسي مضى، وإنما لطرح قضية تستحق المراجعة والمساءلة. فالمبادرات العربية ينبغي أن تُناقش وفق أهدافها وجدواها، لا وفق ما قد تثيره من مخاوف لدى مؤسسة أو جهة معينة. كما أن تطوير العمل العربي المشترك يتطلب تعزيز الحوكمة والشفافية، ووضع ضمانات تحول دون تضارب المصالح أو استخدام الاعتبارات السياسية لتعطيل المبادرات الإصلاحية.
لقد تعثرت المبادرة الأردنية لإنشاء مجلس وزراء التعليم العرب، لكن السؤال الذي بقي دون إجابة هو: ماذا ربح التعليم العربي من عدم إنشائه؟ وهل كان الحفاظ على التوازنات المؤسسية يستحق إضاعة فرصة لتطوير التعاون التعليمي بين الدول العربية؟
إن القضية أكبر من مجلس لم يرَ النور؛ إنها تتعلق بمستقبل العمل العربي المشترك، وبقدرتنا على التمييز بين المؤسسات بوصفها أدوات لخدمة الأهداف، وبين تحويل الأهداف إلى رهائن للمؤسسات ومصالح القائمين عليها.
فالمنظمات العربية لم تُنشأ لتدوم فقط، وإنما لتُحدث فرقاً. وبعد ستة وخمسين عاماً على إنشاء الألكسو، لا يكفي أن نسأل عما قدمته، بل علينا أن نسأل أيضاً: هل أصبحت مؤسساتنا العربية قادرة على احتضان المبادرات التي تطورها، أم أنها باتت تخشى كل مبادرة قد تغير واقعها؟
إن أخطر ما يهدد العمل العربي المشترك ليس غياب المبادرات، بل أن نمتلك القدرة على إطلاقها، ثم نعجز عن حمايتها من المصالح التي تعطلها. فالتاريخ لن يسألنا فقط عما أنجزناه، بل سيحاسبنا أيضاً على ما كان بوسعنا إنجازه وتركناه يضيع.