facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حمود الكرك ليست بوابة للفتنة… والشعب الأردني أرسخ من محاولات الانقسام

23-10-2026 10:45 PM

ليست كل الجرائم اعتداءً على أرواح البشر فحسب؛ فبعضها يترك جرحاً في ضمير الوطن، ويحاول أن ينفذ إلى عمق نسيجه الاجتماعي، محوّلاً الخوف إلى فتنة، والدم إلى انقسام، والجريمة إلى تهديد للاستقرار. وما شهدته الكرك من جريمة إطلاق نار دامية استهدفت مشيعين في محيط كنيسة حمود، ليس مجرد حادثة مؤلمة تستوجب الإدانة، بل مأساة تفرض علينا أن نقرأ ما جرى بعين المسؤولية الوطنية، وأن ندرك أن أمن الإنسان وكرامته ووحدة المجتمع ليست قضايا منفصلة، بل ركائز أساسية في أمن الدولة واستقرارها.

إن إطلاق النار على أناس اجتمعوا لتشييع فقيدهم، في لحظة يفترض أن تسودها الرحمة والسكينة، ليس شجاعة ولا رجولة ولا تعبيراً عن قوة؛ إنه قمة الجبن والانحطاط الإنساني. فالقوة لا تُقاس بقدرة السلاح على قتل الآمنين، بل بقدرة الإنسان على حماية الحياة وصون الكرامة واحترام حرمة الدم. وأياً كانت الدوافع التي ستكشفها التحقيقات، فإن الجريمة تظل فعلاً مداناً لا يبرره دين، ولا تبيحه عقيدة، ولا يمنح مرتكبه غطاءً أخلاقياً أو إنسانياً.

لكن السؤال الذي يتجاوز حدود الإدانة هو: كيف نحول هذه المأساة إلى موقف وطني يحمي المجتمع، ويقطع الطريق على كل من يحاول استغلال الدم لإثارة الانقسام؟

لقد باءت محاولات دق إسفين الفتنة في الأردن بالفشل، كما فشلت محاولات النيل من أمن الدولة واستقرارها وكرامة شعبها. واليوم، فإن أي محاولة لاستغلال هذه الجريمة في تأجيج الخلاف بين المسلمين والمسيحيين تصطدم بحقيقة راسخة في وجدان الأردنيين: هذا الوطن لم يُبنَ على الانقسام، ولم تستقر دعائمه على التنافر، بل على الشراكة والانتماء والمصير المشترك.

إن الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، ليسوا جماعتين تعيشان على أرض واحدة بالمصادفة، ولا مجموعتين تجمعهما هدنة اجتماعية مؤقتة؛ إنهم أبناء وطن واحد، وشركاء في التاريخ والهوية والمصير، جمعتهم الأرض وتقاسموا الحياة، ووقفوا معاً في بناء الدولة والدفاع عنها. وهذا التعايش ليس شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل حقيقة راسخة في حياة الأردنيين، ونموذج وطني يعتزون به ويحرصون على صونه.

ومن يظن أن رصاصة غادرة تستطيع أن تهدم ما بنته عقود من الأخوة والشراكة، لا يعرف الأردن ولا يعرف الأردنيين. ومن يتوهم أن دماء الضحايا يمكن أن تتحول إلى جسر نحو الفتنة، فعليه أن يدرك أن الدم الأردني واحد، وأن كرامة المواطن لا تتجزأ بحسب دينه، وأن الاعتداء على مواطن مسيحي هو اعتداء على كرامة المجتمع الأردني بأسره، تماماً كما أن الاعتداء على مواطن مسلم يمسّ الجميع.

فالمسيحي الأردني ليس ضيفاً على وطنه، والمسلم الأردني ليس مالكاً منفرداً له؛ كلاهما شريك كامل في وطن اسمه الأردن، لا تنتقص من مواطنته عقيدته، ولا تتوقف حقوقه على انتمائه الديني. وهذه الحقيقة ليست موضوعاً للمساومة أو مجالاً للتجريب، بل أساس من أسس الدولة والمجتمع.

وهنا تبرز أهمية التماسك الوطني في ظل الظروف الإقليمية المضطربة، حيث تتعدد بؤر الصراع وتتزايد احتمالات اتساع المواجهات، وتواجه دول المنطقة ضغوطاً أمنية وسياسية متشابكة. وفي مثل هذه البيئة، تصبح الجبهة الداخلية خط الدفاع الأول عن الدولة، ويغدو التماسك الوطني ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن قوة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وكفاءة مؤسسات الدولة.

إن حماية الجبهة الداخلية لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل بترسيخ الثقة بين المواطنين، وتطبيق القانون، ومواجهة التحريض، والتصدي للشائعات، وعدم السماح لأي جريمة بأن تتحول إلى أزمة ثقة بين أبناء الوطن الواحد. فالدولة التي تحمي حدودها بقواتها المسلحة، تحمي استقرارها الداخلي أيضاً بوعي شعبها، وعدالة مؤسساتها، وتماسك مجتمعها.

ومن هنا، فإن الرد المسؤول على جريمة الكرك يكون بكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من تثبت إدانته وفق القانون، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الجرائم. كما يتطلب الأمر قراءة أمنية دقيقة لظروف الحادثة وملابساتها، واستخلاص الدروس التي تكشفها التحقيقات، دون استباق نتائجها أو بناء الاستنتاجات على افتراضات لم تثبت بعد.

والكرك ليست مكاناً عابراً على خريطة الأردن؛ إنها مدينة تحمل في تاريخها معاني الكرامة والوفاء والانتماء، وتمثل جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية الأردنية. ولذلك، فإن واجبنا اليوم هو الوقوف إلى جانب أسر الضحايا والمصابين، وصون كرامة الإنسان، وحماية النسيج الاجتماعي، وعدم السماح للألم بأن يتحول إلى خوف أو للغضب بأن يتحول إلى انقسام.

أما الشائعات والتحريض وتوزيع الاتهامات على أساس الدين أو الانتماء الاجتماعي، فهي توسّع دائرة الأذى، وتنقل الجريمة من ضحايا سقطوا برصاص السلاح إلى مجتمع يُستهدف بالشك والكراهية. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن نكون حازمين في إدانة الجريمة، وحكماء في التعامل مع تداعياتها، ودقيقين في نقل المعلومات، وعادلين في تحديد المسؤوليات.

إن الإرهاب والعنف قد ينجحان في إزهاق الأرواح، لكنهما لا ينبغي أن يُمنحا القدرة على قتل الثقة بين أبناء الوطن. وقد يزرعان الخوف في لحظة، لكنهما لن يحققا غايتهما ما دام الأردنيون يدركون أن وحدتهم ليست مجاملة سياسية ولا شعاراً موسمياً، بل ضرورة وطنية لحماية دولتهم ومستقبل أبنائهم.

وأقولها بوضوح لا يحتمل التأويل: لن تكون الكرك بوابة للفتنة، ولن يكون الدم الأردني جسراً للعبور إلى الانقسام، ولن تتحول دور العبادة أو مناسبات الفرح والحزن إلى ساحات يُروَّع فيها الآمنون أو تُنتهك فيها حرمة الإنسان.

لقد أخطأ من يظن أن الأردن يمكن أن يُنال من بوابة التعايش، أو أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين يمكن أن تهتز بفعل جريمة مهما بلغت بشاعتها. فالأردن أكبر من رصاص الغدر، وأرسخ من محاولات العبث، وأقوى بوحدة أبنائه ووعيهم وإيمانهم بأن الوطن مسؤولية مشتركة لا يحتكرها أحد ولا يستطيع أحد تمزيقها.

رحم الله الضحايا، ومنّ على المصابين بالشفاء، وألهم أسرهم الصبر والسلوان. وليكن موقفنا واضحاً: لا تهاون مع الجريمة، ولا إفلات من العقاب لمن تثبت مسؤوليته، ولا سماح بتحويل المأساة إلى فتنة.

فالأردن ليس وطناً يتقاسمه أبناؤه على أساس الدين؛ إنه وطن يجمعهم، وتاريخ يشهد لشراكتهم، ومستقبل لا يحميه إلا تماسكهم. وسيبقى الأردن واحداً، عصياً على الفتنة، قوياً بأبنائه، لأن وحدة الأردنيين أرسخ من كل محاولة للانقسام.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :